30 يونيو 2022 04:22 1 ذو الحجة 1443
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد رئيس التحرير التنفيذي محمد خضر
المحارب

جماعة الدم ( ٣ )

اغتيال القاضى ” الخازندار” أمام أعين زوجته

بوابة الكلمة

عقارب الساعة تشير إلى تمام الساعة الثالثة من عصر أحد أيام شهر مايو عام ١٩٤٧ موعد بدء حفلة سينما مترو المملوكة لأحد رجال الأعمال اليهود فى مصر، تأهب رواد السينما لمشاهدة الفيلم العالمى " والاس ويرى" لبادمان، بدأت أحداث الفيلم ولكن المشاهدون كانوا على موعد مع القدر حيث دوت إنفجارات من حولهم لتدمر السينما بمن فيها ليسقط جميع من في دار سينما مترو بوسط البلد ما بين قتيل وجريح تزامنت هذه الانفجارات مع تفجيرات مماثلة فى محلات و متاجر يملكها يهود مصريون أيضا.

كشفت أجهزة الأمن أن وراء هذه التفجيرات عناصر إخوانية وشنت حملات اعتقال للعديد من شبان الجماعة واستخدمت أجهزة الأمن خلالها جميع الوسائل لتحديد الجناة إلى أن انحصر الاتهام على ثلاثة من الشباب المنتمين لجماعة الإخوان.

اتجه التنظيم الخاص إلى توجيه ضربة لأجهزة الأمن فقاموا بوضع قنابل صوتية ضعيفة التأثير يوم ٢٦ نوفمبر ١٩٤٧ فى أقسام عابدين ومصر القديمة والسلخانة والأزبكية وكلها انفجرت فى توقيت متزامن.

البنا يتلقى خبرا مزعجا حيث أخبره المحامى الإخوانى عمر التلمسانى بإسناد قضية تفجيرات سينما مترو إلى قاضى متشدد وهو أحمد بك الخازندار.

ولد أحمد الخازندار بالقاهرة يوم الخميس ٥ ديسمبر عام ١٨٨٩ ونشأ فى أسرة متدينة حازت على إعجاب كل من تعامل معها وحين كان الخازندار وكيلا لمحكمة الإسكندرية أصدر أحكاما بالأشغال المؤبدة على عدد من أفراد الإخوان المتهمين بإشعال الحرائق فى بعض المحلات وإثارة الفوضى ومنذ ذلك الحكم واتخذه الإخوان عدوا لهم ولذلك غضب البنا بشدة حين تم نقل الخازندار إلى محكمة استئناف مصر وتوليه رئاسة دائرة الجنايات.

عقد البنا اجتماعا ضم عدداً من قيادات الجماعة من بينهم عبدالرحمن السندى المسئول عن التنظيم الخاص وأخبرهم بمخاوفه من إسناد القضية إلى الخازندار قائلا عبارته الشهيرة " لو ربنا يريحنا منه " تلك العبارة التى أضمرها السندى فى نفسه واعتبرها رسالة بأمر غير مباشر بتصفية القاضى خاصة وأن هناك لغة بالشفرة مع المرشد.

بعد عدة أيام من هذا الاجتماع استدعى البنا ذراعه الدموى السندى فى اجتماع منفرد أخبره السندى أن أفراد التنظيم أو جيش الإسلام الذى سيفتح مصر قد تجاوز ٤ آلاف مقاتل وقد سر البنا بهذا العدد ولكنه قال إن هناك من يعوق هذه المسيرة مثل القاضى الكاره للإخوان والذى يجب التخلص منه فى أسرع وقت مؤكدا على أن السندى هو المرشد العام لأفراد التنظيم الخاص.

استقر رأى السندى وعصابته على أن عملية قتل الخازندار لا يجب أن تتم فى محيط المحكمة حتى يسهل للجناة الهرب ولكى لا يتم القبض عليهم كما حدث مع محمود العيسوى قاتل أحمد باشا ماهر رئيس الوزراء ولذلك كان القرار قتل القاضى فى محيط محل سكنه وتمكن أحمد عادل كمال العنصر البارز فى التنظيم الخاص من توفير عنوان القاضى حيث انه موظف بالبنك الأهلى وكانت مرتبات القضاة فى تلك الفترة محولة إلى البنك الأهلى وذلك من ملف القاضى وليس بالصدفة كما يزعم أباطرة الإخوان.

وتبين أن القاضى يسكن فى شارع رياض بحلوان وهو قريب من مسكن السندى وقد تم رصد تحركاته وتتبع خطواته لمدة أسبوع وكلف السندى كلا من محمود زينهم ٢١ سنة وحسن عبد الحافظ ٢٤ سنة بتنفيذ العملية ويذكر أن حسن عبدالحافظ هو سكرتير البنا وقد إنضم للنظام الخاص بناء على أمر من البنا نفسه نظرا لأن بنيانه قوى وكان أحد لاعبى النادى الأهلى فى لعبة الهوكى.

مساء يوم الأحد ٢٢ مارس ١٩٤٨ عقد فريق الإعدام اجتماعا يترأسه السندى والذى حدد لكل من عبدالحافظ وزينهم الموقع الذى سوف يتمركز فيه كلا منهما وأن عبدالحافظ هو من يتولى إطلاق النار على القاضى أما زينهم فدوره التأمين.

فجر يوم الاثنين ٢٣ مارس ١٩٤٨_ يوم الاغتيال _ استيقظ الخازندار وزوجته وأيقظ أبنائه الأربعة محمد ومحمود وحسين وخديجة لصلاة الفجر والغريب أن ابنه محمد أصر على أن يقف بجانبه فى الصلاة وليس خلفه وبعد الصلاة اتجه لمصحفه وقرأ بعض آياته الكريمة.

حين ظهر الخازندار خارجا من بوابة منزله مترجلا كعادته نحو محطة القطار أخرج حسن عبدالحافظ مسدسه وصوب نحو الخازندار ٣ رصاصات طائشة فطاحت عن الهدف إلا أن زينهم باغت القاضى وطرحه أرضا وأفرغ خزينة مسدسه من المسافة صفر لتستقر رصاصات الغدر والعمالة فى صدر وقلب القاضى الشريف غير مكترث بصراخ زوجته التى كانت تشاهد الموقف العصيب من شرفة منزلها كما لو كانت خرجت لتلقى نظرة الوداع على حبيبها رفيق دربها زوجها والتى أخذت تصرخ من ذهول الصدمة العنيفة لترى بنفسها النهاية المأساوية لشريك حياتها دون أن تدرى بأى ذنب قتل!!

تمكن الأمن بمساعدة الأهالى من ضبط الجناة وأكتشف أمرهما بأنهما من العناصر المنتمية لجماعة الإخوان وانتقل على الفور إلى مسرح الجريمة محمود فهمى النقراشى باشا رئيس الوزراء ووزير الداخلية فى نفس الوقت وكل من محمد محمود باشا رئيس محكمة استئناف مصر وعبدالرحيم عمار وكيل وزارة الداخلية ومرتضى المراغى مدير الأمن العام وقيدت القضية برقم ٦٠٤ لسنة ١٩٤٨.

سيطرت حالة من الغضب العارم جميع أوساط المجتمع حزنا على قتل القاضى النزيه وأعلن الجميع غضبه من جماعة الإخوان حين تم الكشف عن هوية مرتكبى الجريمة البشعة وأبدى العديد من قيادات النظام العام بالجماعة غضبهم وإستياءهم من هذه الواقعة المخزية وللخروج من المأزق تظاهر الممثل البارع حسن البنا بالغضب والضيق من تنفيذ هذه الجريمة النكراء على أيدى أتباعه وأراد أن يلصق التهمة فى السندى وحده حيث أعلن لقياداته أنه المسئول عن الجريمة قائلا " أنا أبنى وهم يهدمون " إلا أن السندى فجر المفاجأة حين أكد أن البنا أصدر له أمرا صريحا بقتل القاضى!!

ويبقى التساؤل عن سر إستهداف المصالح اليهودية بكثافة فى هذه الفترة التى تزامنت مع الإعلان عن إنهاء الانتداب البريطانى على فلسطين وبدء تنفيذ وعد بلفور وإنشاء وطن قومى لليهود على أرض فلسطين والإعتراف بدولة إسرائيل وهو الأمر الذى لم يعر له معظم يهود مصر إهتماما ولوضعهم أمام الأمر صدرت أو

عبدالناصر محمد يكتب اغتيال القاضى الخازندار أمام أعين زوجته