31 يناير 2023 06:19 10 رجب 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

جماعة الدم

عبدالناصر محمد يكتب: حين قضت محكمة الإرهابيين بإهدار دم صفوت الشريف

بوابة الكلمة

فى الأيام الأولى من عام ١٩٩٣ وفى مدينة بيشاور الباكستانية.. تلك المدينة الشهيرة بإيواء رموز الإرهاب لعقود طويلة عقد عدد من العناصر المتطرفة محكمة أطلقوا عليها إسم " المحكمة الشرعية " ، كعادة تلك العناصر فى مطلع كل شهر عربى.

الإرهابيون عقدوا العزم على أن تتم محاكمة صفوت الشريف وزير الإعلام فى ذلك الوقت وأحد كبار رجال السلطة وصاحب المكانة المرموقة فى الحزب الوطنى بعد أن قرروا أن هذا الرجل بلا جدال واحد من أبرز نظام مبارك وله تاريخ طويل ملىء بالأحداث والمواقف فضلاً عن أن اغتياله سيكون بمثابة إنتقام من النظام لإصراره على اعتقال العديد من عناصر التنظيم بالإضافة إلى أن هذا الاغتيال سيترك أثر طيب فى نفوس غالبية الشعب الذى يكره صفوت الشريف _ بالطبع هذا من وجهة نظرهم.

محكمة

عُقدت المحاكمة بعد أن نصّب الإرهابيون أنفسهم قضاة لهم الحق فى إصدار الأحكام ضد كل من يرونه متهماً وكل من يقف حائلاً فى طريق تنفيذ مخططاتهم المشبوهة.

ضمت هيئة المحكمة عناصر لها باع طويل فى عالم الإرهاب والتطرف وهم أيمن الظواهرى _ الرجل الثانى فى تنظيم القاعدة فيما بعد _ .. ومحمد شوقى الإسلامبولى _ الشقيق الأكبر لخالد الإسلامبولى قاتل الرئيس السادات _ .. ورفاعى طه _ وهو الذى خطط ونفذ عملية الدير البحرى فى مدينة الأقصر عام ١٩٩٧ فيما بعد _ .. بالإضافة إلى عثمان السمان وعبدالعزيز الجمل وطلعت قاسم .. وكلهم هاربون من تتفيذ أحكام قضائية فى مصر تتراوح بين ٣ سنوات إلى الأشغال الشاقة المؤبدة فى عدد من القضايا كانت أشهرهم القضية المعروفة بإسم " ثوار أفغانستان ".

عُقدت جلسة محاكمة صفوت الشريف وترافعت النيابة الوهمية التى تضم نفس العناصر الإرهابية وقدمت أدلة الإتهام وفى أول جلسة وبلا دفاع عن ما إعتبره متهماً أصدرت المحكمة المتطرفة حكماً بإحالة أوراق وزير الإعلام المصرى صفوت الشريف إلى مفتى الدم والإرهاب.

مشهد آخر

وفى ولاية نيوجيرسى الأمريكية حيث يقطن أمير الإرهاب ومفتى وشيخ التطرف عمر عبدالرحمن عُرض عليه حكم إعدام وإهدار دم صفوت الشريف ، والذى صدّق على القرار وأصدر فتوى بإستباحة دم صفوت الشريف.

والغريب أن حكم الإعدام الذى أصدره مستشارو الإرهاب تم نشره فى مطبوعة خاصة بالجماعة المتطرفة تصدر فى باكستان بإسم " المرابطون ".

التخطيط للعملية

بدأ زبانية الإرهاب التخطيط لتنفيذ عملية الاغتيال بالتنسيق مع العديد من القنوات في مصر، مثل " أمير الجيوش " محمد سيد سليم، الذي تواصل مع "مجموعة الموت" في أسيوط بقيادة عبدالحميد أبو عقرب، ومجموعة القاهرة وأميرها أشرف السيد إبراهيم ، والأخير هذا واحداً من مدبرى اغتيال فرج فودة، وجمعوا المعلومات وبدأوا رحلة التنفيذ.

وشارك كل من مصطفى حمزة ومصطفى الشلقاني مع المنفذين الرئيسيين اللذين وقع عليهما الاختيار لينفذا العملية ، وهما إبراهيم سيد عبدالعال وأحمد الحسيني، حيث التقوا جميعا في أفغانستان وكان الثنائي الأول حلقة الوصل بين مصدري حكم الاغتيال وبين الثنائي الثاني منفذ الحكم.

وحين دخلت العملية حيز التنفيذ حاول الإرهابيون اغتيال الشريف 4 مرات قبل يوم التنفيذ، إلا أن الأمر كان يفشل لأسباب مختلفة، وجاء يوم التنفيذ وهو يوم ٢٠ إبريل عام ١٩٩٣ لينتظرا الوزير عند منزله.

المحاولة الفاشلة

فى ذلك اليوم ٢٠ إبريل سنة ١٩٩٣ كانت عقارب الساعة تشير إلى الحادية عشرة و٢٠ دقيقة تماماً وفى شارع الخليفة المأمون يقف كل من إبراهيم سيد عبدالعال وأحمد الحسينى على بُعد حوالى ٣٠ متراً من منزل صفوت الشريف بمصر الجديدة وبالقرب من هذا المكان تنتظر سيارة " فولكس فاجن " بشارع الأسيوطى يقودها أحد العناصر الإرهابية لمساعدة الجناة على الهرب بعد تنفيذ الجريمة.

تظهر فى المشهد سيارة مرسيدس سوداء لوحتها المعدنية تحمل أرقام ( ٥٣٣٠١ ) .. يحدق الإرهابيون فى السيارة القادمة نحوهما جيداً وكانت متجهة نحو ميدان العباسية .. ينظر كلٌّ منهما للآخر ولسان حالهما يقول " نعم هى السيارة المستهدفة " تقترب السيارة منهما وبكل وضاعة راح كلاً منهما يمطر من بداخل السيارة بوابل من الرصاص الذى ينهال عليهم من جهة اليمين .. يستشعر صفوت الشريف الخطر يهبط بكل جسده تقريبا فى دواسة السيارة قائلاً السائق إجرى عكس الإتجاه .. السائق الشجاع ويدعى رجب على رجب .. رغم إصابته بالرصاص يجرى مسرعاً من مسرح الأحداث .. وبراعته تلك كانت سبباً فى إنقاذ نفسه والوزير ومعهما الحارس الشخصى للوزير من موت محقق ..حرس منزل الوزير يسمعون صوت طلقات الرصاص يأتون مهرولين إلى مسرح الجريمة يبدأو فى التعامل مع الجناة وإستمرت محاولة الإغتيال نحو ٥ دقائق .. ولكن فشلت مطاردة الحرس للجناة اللذين أطلقا الرصاص بشكل عشوائى قبل أن يتمكنا من الهرب إلى شارع الأسيوطى وإختفوا عن الأنظار تماماً بعد أن إستقلا السيارة التى كانت فى إنتظارهما وهربا بها إلى شارع جسر السويس دون أن يتعرض أحدهما لأى أذى بعد ظنا أنهما نجحا فى تنفيذ حكم الإعدام فى الرجل الحديدى صفوت الشريف.

عثر رجال الأمن على خزنتي سلاح خاصتين بالمتهمين سقطت منهما أثناء الهرب من مطاردة حراس منزل الوزير.

جرى السائق المصاب بالسيارة مسرعاً حتى وصل إلى مستشفى عين شمس التخصصي، ونقل الوزير صفوت الشريف وسائقه إلى العناية المركزة، وقد أصيب الأول بجروح وكدمات سطحية في يده وذراعه اليمنى نتيجة سقوط الزجاج المهشم عليه، بينما كانت إصابات السائق كبيرة وبعد تدخل جراحى تم علاجه والذى كان يستلزم إجراء عملية جراحية فى الفخذ كل فترة.

وهكذا فشل الإرهابيون فى تنفيذ حكمهم الباطل بإعدام صفوت الشريف وزير الإعلام والذى أكد فى تعليقه على الحادث قائلاً " أنه يأتى فى إطار السلسلة الدموية التى يخوضها الإرهاب ضد الوطن " .