29 يناير 2023 10:50 8 رجب 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

أحمد سليم يكتب: غرفة جدي الله

بوابة الكلمة


كانت غرفة جدي منطقة محظورة .. كنت الحفيد المقيم معه بالمنزل وكانت عماتي وجدتي وأمى يتحاشين دخول الغرفة إلا لتنظيفها أو الدخول بمشروبات للجد .. حتى ابى وأعمامى كان دخولهم لحظات فقط لعرض نتيجة ما قاموا به أو للإجابة على سؤال للجد او إحضار صحيفة الاهرام التى كان جدى يحرص على قراءتها يوميا .. الغرفة كان بها سرير نحاسى بأعمدة وظهر خشبى تزينه مشغولات ناسية واويما خشبية وتغطيه ناموسية .. والبيت الكبير كله كان يخشى هذه الغرفة سواء الاعمام من اولاد اخ جدى او من كان يحضر ..كان الجد يتميز بعيون تحمل نظرات حادة ويعلوها حاجب كثيف ومتميز بشخصية صارمة لم يرث هذه الصفات احد أبنائه ولكن ورثها ابن أخيه أحد مساعدى وزير الداخلية والذى ورث اسمه أيضا.. وسط كل هذه التعليمات والانضباط الذى يحيط بالغرفة خاصة ساعات نومه فى القيلولة .. كان الاستثناء الوحيد فى الدخول أى وقت والتحرك بحرية والعود إلى سرير الجد هو المسموح به للسبعينى ايام كان حفيدا ذا سنوات لم تتعد الخمس وهى السنوات التى عاشها بصحبة الجد قبل وفاته.
يومياً يتسلل الحفيد إلى غرفة جده يجلس بجانبه وهو يطالع صحيفة الاهرام مستمعاً الى الراديو والذى كان يقارب التليفزيون فى حجمه وخلفه بطاريه أقرب إلى بطاريات السيارات. ينتهى الجد من إفطاره ومع قهوة الصباح يبدأ قراءة الصحيفة بينما كان الحفيد يتطلع إليه
كانت غرفة الجد هى بيت الأسرار وأحب الأماكن للحفيد فى ذلك الوقت وكان سؤال الجد لحفيده ماذا تفعل عندما ياخذونى إلى الترب وكانت اجابة الحفيد الدائمة هاحفر واخرجك ليبتسم الجد ولا يمل من حكاية القصة لزواره .. ومضت الأيام وذهب الجد ولم يستطع الحفيد الوفاء بوعده للجد ولكنه انشغل بأحدث الوفاة وكانت المرة الأولى التى منع فيها من الدخول لحجرة الجد .. اسرع الحفيد إلى شباك غرفته للنظر إلى المنطقة الواقعة أمام البيت الكبير ..ناس كتيرة وصراخ وبكاء ومن اعمامه عرف ان جده مات فى حين كانت امه تخفف ألمه بأنه ذاهب إلى ربنا .. كانت وفاة الجد هى واقعة الوفاة الأولى التى عاشها الحفيد والتى تغيرت بعدها حياته فقد افتقد غرفة جده التى أصبحت مفتوحة للجميع بعد غياب الجد الذى طال ثم افتقد البيت كله لينتقل إلى منزل جديد .. ومرت الأيام وكبر الحفيد وجاء الدور على ابيه ليصبح جداً ولكن غرفة الجد الجديد لم تكن ذات رهبة لدى أحفاد الجيل الجديد كما كانت غرفة الجد الأول وان كانت تحمل بعض الرهبة للأحفاد الذين كانوا يدخلونها بحذر ليخرجوا منها محملين بقروش أو حلوى .. ومرت الأيام ليصبح الحفيد جداً ويجلس فى غرفته أحياناً فيقفز إلى سريره احفاده محولين السرير إلى ملعب لهم تاركين له جزءاً صغيراً .. يعود الجد الجديد إلى غرفته فيطارده الأحفاد إلى خارجها ها هو حفيده الأول يجلس على سريره واضعاً قدماً على قدم يطالع موبايله يلبس نظارة الجد ويضحك جدو انا جدو .. وها هى حفيدته الكبرى تتدلل عليه ليحكى لها قصة حياته كما تطلب.. أما الحفيد الأصغر فيمارس كل أنواع الشقلباظ على سريره بينما توزع حفيدته الصغيرة قبلاتها عليه.. ينظر الجد إلى حجرته ويتذكر حجرة جده ضاحكاً.. ضاعت هيبة غرفة الجد.
سنوات طويلة بين غرفة الجد فى الستينات وغرفة الجد بعد الألفين بسنوات.. فروق كثيرة فى العلاقة بين الجد والحفيد وبين الغرفة والغرفة هى فى النهاية تمثل الفارق الفعلى بين سنوات الستينيات والآن فى كل شيء.