9 ديسمبر 2022 00:25 15 جمادى أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

جماعة الدم

عبدالناصر محمد يكتب: ”النبوى إسماعيل” ومحاولة الاغتيال الفاشلة

بوابة الكلمة

لا شك أن اللواء محمد النبوى إسماعيل يعد أبرز من جلسوا على مقعد وزارة الداخلية فى مصر على مر كل العصور ، وذلك نظراً للأحداث الجسيمة التى شهدها الوطن فى عهد ذلك الرجل الشعبى الأصيل ، فهو ابن من أبناء حى عريق يتمتع أهله بالوطنية الحقيقية وكانت لهم أدوار بارزة فى الكثير من الأعمال الوطنية ضد أباطرة الإستعمار والمحتلون ، حىٌّ يتميز رجاله بجدعنة أولاد البلد فهم كانوا ومازالوا يتمسكون بالعادات والتقاليد الأصيلة ، وهذا الحى هو حى الدرب الأحمر.

تخرج محمد النبوى إسماعيل من مدرسة الشرطة سنة ١٩٤٦ قبل أن تصبح كلية ثم أكاديمية ، وعمِل فى الأمن العام ضابطاً بأقسام شرطة مختلفة كلها فى محيط محافظة القاهرة ، ثم إنتقل للعمل المباحث الجنائية ثم عمل فى جهاز مباحث أمن الدولة قبل أن يتولى منصب مدير مباحث النقل والمواصلات ... بعد هذه الرحلة الوظيفية الدسمة عمل اللواء النبوى إسماعيل نائباً لوزير الداخلية وذلك فى فبراير سنة ١٩٧٧ ، وبعد ستة أشهر فقط تم تعيينه وزيراً للداخلية فى فترة هى الأخطر والأكثر إثارة فى تاريخ مصر الحديث .. وكيف لا تكون هى الأخطر والأهم وقد شهدت اغتيال رئيس الجمهورية ؟!.

كانت حقاً أياماً عصيبة تلك الأيام التى تولى فيها النبوى حقيبة وزارة الداخلية .. حيث نجد قوى المعارضة تشن هجوماً ضارياً على الرئيس السادات بسبب مهادنته لإسرائيل وتخليه عن السلاح بل والجلوس على طاولة المفاوضات ضارباً بالموقف العربى عرض الحائط ومتخلياً عن القضية العربية وبخاصة القضية الفلسطينية _ وهذا بالطبع من وجهة نظر قوى المعارضة فى مصر وخارجها فى هذه الفترة.

خلال هذه الفترة استغلت الجماعات المتطرفة حالة اللاحرب واللاسلم وإستغلوا الأزمات السياسية والإقتصادية وعلى رأسها حالة الغلاء التى ضربت البلاد _ ما أشبه الليلة بالبارحة .. صورة طبق الأصل مما يحدث حاليا _ وحاولت إشعال الفتن وتأليب الرأى العام ضد السادات ونظامه والقيام بارتكاب أعمال عنف متنوعة وإصدار بعض الكتب التى تحض على كراهية الأقباط والنظام الكافر الذى لا يطبق الشريعة ، تلك الأعمال تصدى لها النبوى إسماعيل بكفاءة كبيرة وقام بإعتقال عدد كبير من أباطرة التطرف.

استمرت العلاقات المتوترة بين الدولة وجميع قوى المعارضة وهو الأمر الذى جعل الأرض ممهدة للجماعات المتطرفة المنبثقة من تيار الإخوان بل وإزدادت سخونة بعدما قررت الحكومة زيادة سعر رغيف الخبز طبقاً لتعليمات الصندوق والبنك الدوليين وخرج الشعب فى موجات غاضبة يندد بهذا القرار الغاشم وذلك خلال يومى ١٨و١٩ يناير سنة ١٩٧٨ وهذه الأحداث إستغلتها عناصر الجماعات المتطرفة تماماً وكادت تكون صورة بالكربون من حريق القاهرة لولا السيطرة الأمنية السريعة على تلك الأحداث وقيام قيادات الداخلية بتهدئة الموقف مستخدمين فى أساليب مختلفة ليس فقط سرعة القبض على العناصر المتورطة والتى حرقت وسلبت ولكن من خلال الدخول فى مفاوضات الغرض منها التعبير عن الغضب بأسلوب حضارى بعيد عن العنف.

زادت الهوة بين قوى المعارضة والرئيس السادات خاصة بعد أن قام الرئيس _ بشكل مفاجىء وصادم للجميع _ بالتوقيع على إتفاقية كامب ديفيد فى ١٧ سبتمبر ١٩٧٨ وهو الأمر الذى جعل كل المعارضين وأيضا كل الدول العربية يتهمون السادات بالخيانة العظمى.

حالة من السخط العام سيطرت على الشعب ضد السادات بسبب هذه الزيارة التى قام بها لإسرائيل للتوقيع على إتفاقية السلام مع العدو الصهيونى وكانت وزارة الداخلية فى هذه اللحظات مطالبة بحفظ الأمن وعدم الخروج على النظام حتى لا تدخل البلاد فى موجة الإضطرابات والفتن تلك المواقف التى يجيد إسغلالها جيداً جماعات الدم والإرهاب.

وفى هذه الأثناء كان للسادات رأى آخر حيث اعتقد أن فتح أبواب السجون والمعتقلات للعناصر التابعة للجماعات الإرهابية سيكون له مردود إيجابى وقد يكونون العصا التى يضرب بها قوى المعارضة ولذلك فقد قرر الإفراج الفورى عن كل المعتقلين من الجماعات المتشددة غير مدركاً أن تلك العناصر الضالة لا تعرف سوى لغة الدم ولا يصونون أى عهد وينكرون الجميل.

ثم كان عام ١٩٨١ والذى شهد أحداثاً جسيمة لم تشهد له الدولة مثيل .. تلك الأحداث التى تعكس مدى دموية تلك العناصر المشبوهة المنتمية للتيارات الإخوانية المتطرفة ، لقد كان الوطن على موعد مع أسوأ فتنة طائفية فى تاريخه وهى المعروفة إعلامياً باسم " أحداث الزاوية الحمراء " .. بدأت تلك الأحداث الدامية يوم ١٢ يونيو ١٩٨١ وإزدادت وطأتها يوم ١٧ من نفس الشهر حيث كان حى الزاوية الحمراء مازال حديثاً ولكنه كان يضم عدد كبير من العناصر الإخوانية وعناصر أخرى متشددة من الجماعات الأصولية وحدثت أزمة طاحنة بسبب حول أحقية عدد من المسلمين وعدد آخر من المسيحيين فى قطعة أرض بشارع منشية الجمل .. المسلمون يرغبون فى بناء مسجد عليها ، والأقباط ينوون بناء كنيسة وسرعان ما تحولت المشادة الكلامية بين الطرفين إلى مشاجرة والتى أصبحت كالنيران فى الهشيم ، وتصاعدت الأحداث بسرعة فائقة حيث استغلت العناصر الإرهابية هذا الخلاف وحولته إلى فتنة طائفية هى الأولى فى تاريخ مصر عبر كل العصور وإعتبرته جهاداً فى سبيل الله وساروا يرددون فى الشوارع " قتلانا فى الجنة وقتلاهم فى النار " .. رفعوا المشاعل وأحرقوا بيوت ومحلات الأقباط ونهبوا محلات الصاغة وقتلوا أصحابها وإستباحوا دماء الأبرياء وراح ضحية هذا الإجرام نحو ٨١ شهيداً معظمهم من الأقباط .. بصعوبة بالغة وبعد عدة أيام من هذه الجريمة البشعة والتى إنتقلت إلى عدة مناطق أخرى بمحافظة القاهرة مثل الوايلى ومنشية الصدر بحدائق القبة تمكن اللواء النبوى إسماعيل ورجاله من السيطرة على الموقف وتم إلقاء القبض على العشرات من العناصر المشاغبة.

لم ينتبه السادات لخطورة هذه الجماعات التى أفرج عن كثير منها ولم ينتبه أيضاً لتحذيرات وزير داخليته النبوى إسماعيل من وجود معلومات تفيد بتعرضه للإغتيال فى يوم العرض العسكرى حيث الإحتفال بذكرى نصر أكتوبر المجيد .. وكان ما كان !!.

بعد هذه المطاردات التى قام بها النبوى إسماعيل للعناصر الإرهابية كان طبيعياً أن يدرج إسمه على قوائم الإغتيالات وهذا ما حدث بالفعل فقد وضعت جماعة الناجون من النار خطة لاغتياله حيث رصدوا تحركاته بدقة بالغة لدرجة أنهم تمكنوا من الحصول على رقم تليفون منزله الكائن بشارع جامعة الدول العربية بل والأدهى أنهم عرفوا أن التليفون قريب من الشرفة وقاموا بالإتصال به وعند رده أطلقوا نحوه عدة طلقات طائشة ولم يصب بأى أذى وفروا الجناة ولم تتمكن الحراسة المشددة على النبوى إسماعيل من إلقاء القبض على أياً منهم أو حتى تعقبهم ، وخلال شهر سبتمبر تمكنت قوات الأمن من الوصول إلى التنظيم ، وقتل محمد كاظم أبرز عناصر التنظيم بعد مواجهة شرسة مع رجال الأمن ، وألقى القبض على يسرى عبدالمنعم وهرب مجدى الصفتى زعيم التنظيم ومعه عبدالله حسين أبوالعلا وجميعهم كانوا من العناصر الجديدة على ساحة العنف فى مصر.