9 ديسمبر 2022 01:55 15 جمادى أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

أحمد سليم يكتب: شتاء باريسي

بوابة الكلمة

كان الشتاء يستعد للوصول واستدعتنى السيدة سامية صادق لتخبرنى بأنها اختارتنى والأصدقاء باسم كامل وخالد العشرى لتغطية فعاليات مهرجان نانت للفنون، وكانت مصر هى ضيفة هذه الدورة. كنا فى منتصف التسعينات وكان تليفزيون الـ art من أشهر المحطات العربية وقتها كان يضم اهم مجموعة من الإعلاميين المصريين همت مصطفى فى روما وسامية صادق ونوال سرى وحمدى قنديل ونصر نصار والمهندس أسامة الشيخ ومعنا فريق من الشباب وائل إحسان وعلى فايد واحمد السحترى وآخرون ..التقيت باسم وخالد لنعد للرحلة كانت فعاليات المهرجان تضم حفلات للموسيقى العربية والفنون الشعبية وحكيم والراقصة سمراء ..قبل السفر بليلة واحدة اكتشفنا نحن أننا نحن الثلاثة لانعرف من الفرنسية سوى كلمات بسيطة ..وكعادة المصريين قررنا أن نسافر وأن نقدم رسالة يومية رغم ذلك.. انقذتنا الكاتبة اللبنانية هدى الزين ودلتنا على مصور مغربي واتفقنا معه على أن يكون مصوراً ومترجماً.. تحولت لهجته المغربية إلى مشكلة أخرى إضافة إلى اصراره على كتابة بند فى العقد انه لن يعمل من الساعة الرابعة إلى السادسة عصراً لان هذه المدة مخصصة لكاشو كلبه الذى اصطحبه معنا وانضم كاشو لفريق العمل .. وصلنا باريس نحن الثلاثة لأول مرة وخيالنا هو عاصمة النور كيف ستكون... قابلنا الشتاء فى المطار وما بين الجرى بالحقائب ومحاولة اللحاق بقطار باريس نانت ضاعت فرصة التعرف الأولى على باريس .

جلست فى القطار الفرنسي ومن اول لحظة اكتشفت ان ما كنت اركبه لسنوات من طنطا إلى القاهرة لا علاقة له بالقطار الفرنسي.. كانت رحلة رائعة خاصة اننا كنا نهاراً .. الريف الفرنسي الجميل على جانب الطريق وروعة القطار جعلتنا لانشعر بالرحلة.. وصلنا نانت واستقبلنا السيد الغروملى المصور وبصحبته كاشو ومابين إدارة المهرجان وفندق الإقامة قضينا يومنا الأول فى نانت ..كنا نعمل ليلا من العاشرة حتى الصباح مما أتاح لنا أن نعيش أسبوع شتاء فى فرنسا.. من الطبيعى أن تقارن بين شتاء قريتك الصغيرة بما يمثله من ذكريات للزحلقة على الطين وشتاء القاهرة ومحاولات العبور من رصيف إلى آخر عبر نهر الشارع والذى كان يتحول إلى نهر فعلى.. الشتاء الفرنسي كان جميلاً يتطلب منك فقط بالطو وكوفيه وكاب ويمكنك أن تتجول فى الشوارع وتجلس على المقاهى بكل المتعة ..كانت طالبات نانت قد حفظن اغنية حكيم "نار نار" وكن يتغنين بها كلما شاهدوا فناناً مصرياً، الفريق عمل .. لم تكن اللغة فقط هى المشكلة ولكن كان البحث عن الطعام الحلال مشكلة أخرى ..كانت نانت من أجمل الأماكن التى زرتها فى حياتى، حكاية الأماكن فيها كثيرة، نهرها الصغير.. مياهه الرائعة التى لم يلوثها مواطن بورقة.. مقاهيها وكوب القهوة الساخن فيها وجولاتنا مع الغروملى وكاشو وحفلات ليلية مصرية كنت ألمح دموع المصريين المغتربين فيها وايضاً العرب ..أسبوع كامل ..واستطعنا أن ننقل فعاليات المهرجان ونقدم أمسيات جميلة لراديو وتلفزيون العرب .. وظل حلم باريس يراودنا فليس معقولاً أن تكون فى فرنسا ولا تزور اللوفر وتتمشى فى الشانزليه وتلتقط الصور بجوار المسلحة المصرية وقوس النصر وبرج ايفل.. وصلنا عاصمة النور.

وصلنا باريس محملين بذكريات جميلة من نانت.. الشوارع.. التمشية تحت المطر .. النهر الصغير.. حب الشعب الفرنسي للفن المصرى.. أصدقاء من المغرب العربى.. وأيضاً كنا نحمل صورة لعاصمة النور التى لاتنام لنكتشف انها تنام مبكرا ما عدا مناطق معينة.. قطعنا شارع الشانزليه على أقدامنا.. مقاهى نصفها على رصيف الشارع... زرنا بيجال بصحبة مصرى من شبرا يمتلك عربة ساندويتشات .. تجولنا فى الأسواق أربعة أيام من المطر والجولات ..حوالى مائتي ساعة نمنا سويعات قليلة حتى لا تضيع الفرصة لنرى شيئاً جديداً.. ركبنا المترو.. شاهدنا فرق الاندر جراوند وعشنا نموذجاً لشتاء باريسى كان من أروع أيام الشتاء التى عشتها خارج مصر.. وشاء الحظ أن نلحق بساعات من شتاء أوروبى فى أمستردام.. رحلة باريس ونانت وامستردام كانت جزءاً من مرحلة مهمة فى حياتى العملية.. المرحلة التى عملت فيها معداً فى art .. مع مجموعة رائعة تعلمت منهم ومعهم الكثير وكانت هذه الفترة من الفترات التى شكلت الوعى لدى. ولـ ٥٦شارع جامعة الدول العربية قصة فى حياتى .. هذا المكان شكل جزءاً مهماً فى مسيرة الحياة.. عدنا من باريس وبعد حوالى ٢٥ عاماً مازالت ذكرياتها تعيش داخل الوجدان.

أحمد سليم يكتب شتاء باريسي