9 ديسمبر 2022 01:32 15 جمادى أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

عبدالناصر محمد يكتب : تفاصيل مثيرة فى محاولة اغتيال حسن أبو باشا

بوابة الكلمة

عقب تنفيذ المؤامرة الكبرى التى تعرضت لها مصر فى ذكرى الإحتفال بنصر أكتوبر المجيد وتحديداً يوم السادس من أكتوبر عام ١٩٨١ ، والمعروفة إعلامياً بحادث المنصة والتى راح ضحيتها الشهيد الرئيس أنور السادات بطل الحرب والسلام ، وما أعقبها من محاولة دامية من جانب العناصر الإرهابية المنتسبة لجماعة الإخوان المشبوهة وما إنبثق عنها من فرق دموية بمسميات مختلفة وعلى رأسها تنظيم الجهاد ، تولى اللواء حسن سليمان أبوباشا المسئولية عن جهاز مباحث أمن الدولة ومكث فى هذا المنصب ستون يوما فقط أثبت خلالها جدارة فائقة ونجح فى وأد العديد من العمليات الدموية التى كان الإرهابيون ينون تنفيذها ومنها محاولة الإستقلال بمحافظة أسيوط وإعلان جمهورية لأباطرة الفكر الإرهابى بها ، وإستطاع أبو باشا ورفاقه من ضباط الأمن البواسل التصدى لتلك الفئة الضالة بل والقبض على عدد كبير منهم وتقديمهم للعدالة وبخاصة عناصر تنظيم الجهاد الذى إرتكب جريمة إغتيال السادات والذى كان وراء الأحداث الدامية التى شهدتها محافظة أسيوط عقب حادث المنصة.

ومنذ تلك المواجهات الرادعة ضد الإرهاب وعناصره الدموية أضحى أبو باشا الذى أصبح وزيراً للداخلية فى بؤرة الميكروسكوب الدموى للإرهابيين والذين نظموا أبياتاً شعرية يتوعدون فيها أبو باشا وكانوا يلقونها فى السجون وأيضا فى المحاكم ، وكانت تقول هذه الأبيات : -

ودعتُ طعاماً وفراشاً وبدأتُ أعُد الرشاشَ

فإذا مضيتُ به قدماً لن يفلت منه أبو باشا

سأقاتل هذا الخفاش َ أبداً لن يدرك إنعاش َ

ورغم كل هذا التهديد والوعيد إلا أن حسن أبو باشا إستمر فى أداء رسالته بكل جرأة وشجاعة وكان يمارس عمله بكل حرفية وإتقان كل همه إعادة الإستقرار إلى ربوع الوطن لم يشغله فوهات بنادق الإرهاب المصوبة نحو صدره إستطاع أن يقضى على الفوضى التى أشاعها فى البلاد عناصر فاسقة عاثت فى أرض الوطن الطاهرة ظلماً وجوراً وفساداً ونجح فى زرع الطمأنينة فى قلوب أبناء الوطن فبحق لقد أدى الرجل لبلده مهمة كبيرة إستطاعت أن تمتص كثيراً من أسباب التوتر وأن تعيد الأمور إلى طبيعتها فى وقت قياسى كادت الدولة فيه أن تغرق فى بحار من الدم.

*المشهد الأول

___

فى يوم ٧ رمضان عام ١٤٠٧ هجرية الموافق ٥ مارس سنة ١٩٨٧ إستجاب اللواء حسن سليمان أبوباشا وزير الداخلية فى الفترة من بداية عام ١٩٨٢ حتى عام ١٩٨٤ لدعوة إبنته له للإفطار معها ومع أولادها ومع زوجها السياسى الشهير حسام بدراوى الطبيب البارع .. لم يستمع أبو باشا لنصائح الأطباء المتعلقة بعدم تناول المسبكات والأكلات الدسمة وأفرط فى الطعام خاصة فى الأصناف التى أعدتها كريمته له خصيصاً وأجهز عليها فى ظل جو أسرى رائع وتجمع رمضانى متميز وفى أجواء تفتح الشهية تظللها نفحات رمضانية وسط بهجة أسرية تغمرها فرحة عارمة تجمعت فيه الإبنة مع أبيها الذى ظل طول عمره حنوناً على أبنائه الذين لم يشعروا يوماً أنه رجل أمن بل كان مثل معظم آباء ذلك الجيل العظيم طيباً عطوفاً يضم أبنائه بين ضلوعه بكل حب وحنان.

بعد تناول الإفطار الشهى قام أبو باشا لأداء صلاة المغرب فى الوقت الذى أعدت فيه كريمته وليمة أخرى ولكنها كانت مكونة من مختلف حلويات الشهر الفضيل حيث لم تخلو من الكنافة والقطايف والخشاف ، ولكنه فى هذه المرة عمل بنصيحة الأطباء ولم يفرط فى تناولها ، وحان وقت صلاة العشاء فقام الضيف الأب اللواء حسن أبو باشا لأداء الفريضة ثم أعقبها بصلاة القيام ثم قرر أن يعود إلى منزله الكائن بحى العجوزة رافضاً إغراءات إبنته وأحفاده بالمبيت معهم وأيضاً السحور معهم قائلاً بخفة ظله المعتادة " يعنى يبقى فطار وسحور كمان ده أنا ضيف تقيل أوى " .. هذه المداعبة أثارت نوبة من الضحك بين الجميع .. بعدها ودعهم ثم طبع قبلة على جبين إبنته والتى إرتمت هى الأخرى فى حضنه وأكدت عليه أن يقود سيارته بحرص شديد فهى تعلم أنه بمفرده ويقود السيارة بنفسه بعد أن أعطى سائقه الخاص إجازة.

*المشهد الثانى

____

فى تلك الفترة العصيبة التى شهدت أحداثاً دموية منذ عملية إغتيال الرئيس أنور السادات والتى أعقبتها ضربات أمنية قام أحد عناصر تنظيم الجهاد وهو طبيب يدعى " مجدى زينهم على الصفتى " بتأسيس تنظيم سرى جديد تحت مسمى " الناجون من النار " وضم هذا الكيان الإرهابى عناصر شديدة الخطورة ومتشددة لأقصى درجة وتردد فى ذلك الوقت أنها ممولة من إيران ، و قامت تلك الجماعة بتكفير المجتمع كله ليس رجال السلطة والحكم فقط وإنما كل فرد لا ينتمى إلى جماعات العنف والإرهاب ، وكان من بين هذه العناصر ياسر برهامي و الطبيب حسين الظواهرى شقيق أيمن الظواهرى الرجل الأول فى تنظيم القاعدة بعد إغتيال أسامه بن لادن ، والغريب أن تنظيم القاعدة قام أيضاً على نفس المبادىء التى قام عليها جماعة الناجون من النار وهناك تشابه وتقارب فى الفكر بين التنظيمين الإرهابيين.

وكان الصفتى ومن معه يعتقدون أنّ المجتمع من حوله مستحقّ للقتل ، فحرم العمل في أجهزة الدولة، ودفع الضرائب وعدم جواز الصيام مع رؤية هلال رمضان بفتوى الأزهر، وحرمت الجماعة الأكل من الذبائحِ عند الجزارين، فلا تجوز ذبائح المرتدين.

المشهد الثالث

____

أمام العمارة التى يسكن بها حسن أبو باشا تقف سيارة مازدا يستقلها شابين أحدهما متهيأ تماماً لإصطياد فريسته حيث يضع فى جعبته رشاش آلى ويمضى وهو مترقب ظهور الصيد الثمين .. فجأة يأخذ الفتى وضع الإستعداد حيث رأى سيارة أبو باشا تقترب وتتجه نحو منزله وفرح الفتى لإنه لا يوجد فى السيارة غير أبو باشا ، وما أن نزل أبوباشا من سيارته بعد وضعها بجوار سيارة إبنه إذا بالفتى يفتح النار عليه وإنهال وابل من الرصاص على الرجل الذى كان يدرك تماماً أنه على رأس أهداف تلك الجماعات الإرهابية .. واخترقت رصاصات الغدر والخسة جسد الرجل الذى أدرك تماماً أنه على بعد لحظات من الموت المحقق وسقط أرضاً ليجد نفسه وسط بركة من الدماء لا يستطيع تحديد مكان الإصابة بجسده فقط هو على يقين من أنه مصاب بشدة بدليل تلك البحيرة من الدماء فعلى الفور نطق الشهادتين وبدأ يردد آية الكرسى كما إعتاد منذ صغره على قرائتها خاصة عند المحن وأوقات الشدة ، وفى المقابل صعد الفتى فوق سيارة لكى يتأكد أن أبو باشا أصبح فى عتاد الموتى وأمطره بدفعة جديدة من الرصاص غير أن الأقدار شائت ألا يصاب أبو باشا مجددا ، فى هذه الأثناء قام أبو باشا برفع يده اليسرى وألقى بنفسه بين سيارته وسيارة إبنه وألقى برأسه على الأرض متظاهراً بأنه مات مما جعل الفتى الإرهابى يفر من أمامه خاصة حين قام حارس أمن بإطلاق الرصاص تجاه صاحبه الذى يقود السيارة وأصابه إصابة طفيفة مما جعله يسرع فى ركوب السيارة والفرار من مسرح الجريمة.

بعد تلك الأحداث التى إستغرقت بضع دقائق أصيب الرجل برصاصة فى فخذه الأيسر وعدة رصاصات فى يده اليسرى وتم نقله فى بادىء الأمر إلى مستشفى الشرطة وهو فى حالة إعياء شديدة ثم سرعان ما تم نقله إلى مستشفى النيل بدراوى وقد أكد كل الأطباء وعلى رأسهم طبيب ألمانى أن هذا الرجل _ أى حسن أبو باشا وزير الداخلية الأسبق _ قد عاد للحياة من ثقب إبرة " .. وبالفعل كتب الله لأبو باشا النجاة من تلك العملية وتم القبض فيما بعد على مجدى الصفتى وعدد من أتباعه وحُكم عليه بالأشغال الشاقة المؤبدة وفى عام إستيلاء الإخوان على مقاليد الحكم نقل من محبسه إلى مستشفى المنيل الجامعى وتمكن من الهرب بالطبع بمساعدة عناصر من جماعة الإخوان ولكن تم القبض عليه مرة أخرى عام ٢٠١٥.

عبدالناصر محمد يكتب تفاصيل مثيرة محاولة اغتيال حسن أبو باشا