27 سبتمبر 2022 20:02 2 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
مقالات

أحمد سليم يكتب: من هنا تبدأ النهضة

بوابة الكلمة

سبتمبر فى أوائل الستينات.. موسم جني القطن، وهى أيام كانت الأهم للفلاح المصري .. وفى نفس الوقت الذي كان الفلاحون يتجهون إلى حقولهم لإنهاء موسم جني القطن فى انتظار حصد ثمار عملهم طوال شهور طويلة. كان أبناؤهم يتجهون إلى مدارسهم فى كل قرى مصر. وكنت أحد هؤلاء.

كان اليوم الأول فى مدرستنا الصغيرة بإحدى قرى الغربية مئات التلاميذ يرتدون زياً موحداً: مريلة للطلاب حتى الثالثة، وأما الصفوف الثلاثة الأخيرة فكانوا يرتدون "قميص وبنطلون".. وكانت الأغلبية تحمل كتباً فى حقيبة من القماش غالباً من نفس نوع قماش زى المدرسة المصنع فى الغالب من قماش تيل نادية. صفوف منتظمة يقف أمام كل فصل أستاذه أو مدرسته.. أتذكر شكل الطابور والمدرسون يقفون فى انضباط يشبه قادة سرايا الجيش لا يفترق فى ذلك الأستاذة قنوع عن الشيخ فهيم.. مُدرسة الرياضة ترتدي زياً رياضياً والشيخ المغاورى مدرس التربية الدينية ومحفظ القرآن يرتدى الزى الأزهرى، كل يحترم زى زميله، لم يتهمها الشيخ بالخروج عن الآداب العامة ولم تتهمه هي بالتخلف عن العصر. وكان ظهور الأستاذ عبد العزيز شلبي ناظر المدرسة قادماً من مكتبه إلى أرض الطابور كفيلاً بخلق حالة من الصمت المهيب بينما كانت مراسم طابور الصباح تبدأ بآيات من القرآن الكريم ثم تحية العلم .. وهنا لابد أن أتوقف قليلاً .. تحية العلم فى طابور الصباح لطالب فى سن السنوات الست وحتى الثامنة عشرة مع نهاية المرحلة الثانوية كان شيء أساسي زرع فى داخلنا، احترام وحب علم الوطن، كنا نعرف وعلمونا أن العلم ليس قطعة قماش جميلة ولكنها هي رمز للوطن وعبر سنوات دراسة جيلنا وبعض من سبقونا قدمنا التحية لثلاثة أعلام أحدهم صاحب النجوم والهلال ثم صاحب الألوان الثلاث الأحمر والأبيض والأسود ثم العلم صاحب النسر أو الصقر.. وكما تغير النظام تغير العلم ولكن حب واحترام هذا العلم ظل محفوراً فى قلوب أجيالنا لأننا تربينا عليه أما محاولة فرض تحية العلم على طلاب الجامعة فهي محاولة أقرب لتعلم القراءة والكتابة ومراسم حياة لكبار السن. الانتماء نعم يبدأ من هنا من طابور الصباح..

ولكن من طابور الصباح فى المدرسة الابتدائية التي تخلو حالياً من فناء فسيح يقف فيه الطلبة طابورا صباحيا يمارسون فيه فنون الخطابة وسماع آخر الأخبار ويؤدون تدريباً تنشيطياً صباحياً ويتم التفتيش على نظافتهم ثم يتم تدوير الطابور على موسيقى وطنية ينشد معها الطلاب الله أكبر وبلادي وكنا هنبنى السد العالي ويا جمال يا حبيب الملايين .. وأغانى وأناشيد أخرى كثيرة .. تعلمنا فى طابور الصباح الكثير احترام الأساتذة المتبادل بينهم.. تقدير كل منهم لزميله، أستاذ الدين يتلو القرآن أو يتابع طلابه وهم يقرأون القرآن فى أول الطابور.

مدرس الموسيقى يشرف على طلبة فرقة الموسيقى. مدرسة الرياضة تمارس بعد ذلك تدريبات بسيطة مع كل الطلاب. لم يقلل أحدهم من دور زميله، الكل كان يتعامل بالتقدير. وكان ناظر المدرسة هو الأب الحازم الحاسم والمربى التربوي. كان مجتمع المدرسة فى الستينات مجتمعاً مثالياً. زيارة من الصحة أسبوعياً.. تفتيش يومي على نظافة الملابس رغم فقرها.. تغذية مدرسية يومية، كانت بعض الأسر تعتمد على ما يأتي أطفالها منها يومياً فى استكمال غذائها.. هدايا يومية بسيطة من ناظر المدرسة لطلابه المتفوقين.. حصة للقراءة وأخرى للرسم مكتبة بالفصل وأخرى للمدرسة .. ما أريد أن أقوله إذا أردنا أن نعيد بناء الوطن بشكل صحيح فلنعد إلى طابور الصباح بشكله التقليدي الجميل.. عندما أتيت للقاهرة كان بجوار سكنى مدرسة كنت أسمع هتاف الطلاب صباحاً وهم يردون: تحيا جمهورية مصر العربية ويحيون علمها.. حتى حدث ما مرت به مصر فلم نعد نسمع تحية الوطن والعلم، وتحول الطابور، إذا حدث، إلى حفل موسيقى أو تعليمات سريعة. إذا أردنا بناء الوطن فلنبدأ بالتعليم الابتدائي وليكن ذلك هو مشروع الدولة القومي. مدرس الابتدائي يجب أن يكون خريجاً جامعياً مؤهلاً، يتقاضى مثل ما يتقاضى أستاذ الجامعة وأن تعود للمدرسة حجرة الموسيقى والرسم والقرآن والقراءة وفنون التفصيل والزراعة.

مشروعنا القومي ليس طلبة الجامعة ولا أقول أن نهملهم، ولكن لنبدأ ببناء أجيال جديدة.. وفروا للمدرسة الابتدائية كل الإمكانات وبعد ست سنوات سيكون لدينا طالب بالإعدادية مختلف ثم طالب مختلف بالثانوي ثم الجامعة، سنوات طوال نعم ولكنها فى عمر الشعوب لحظات ويوما ما سيكون لدينا ولو بعد عشرين عاماً جيل من الشباب يحترم علم وطنه ويقف إجلالا واحتراما لأستاذه ويعرف قيم الانتماء والاحترام.

أحمد سليم يكتب من هنا تبدأ النهضة