27 سبتمبر 2022 19:52 2 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
مقالات

عبدالناصر محمد يكتب: مذبحة الأقصر .. وتفاصيل أبشع مجزرة تعرضت لها مصر

بوابة الكلمة

مع بداية عام ١٩٩٠ ومع تولى اللواء محمد عبدالحليم موسى وزارة الداخلية، فتحت الدولة صفحة جديدة مع الجماعات المتطرفة تقوم على مناقشة أفكار تلك الجماعات ومحاولة إثنائهم عن مناهج الدم والتفجيرات والإغتيالات التى تقوم بها فى مقابل منحهم بعض الصلاحيات فضلا عن إعطائهم الحرية الكاملة لعرض أفكارهم السياسية والتمتع بممارسة الأنشطة الدينية المشروعة، وكذلك ممارسة النشاط السياسى والمشاركة بحرية تامة بلا مضايقات أو ملاحقات أمنية بل والسماح لهم بالترشح فى الإنتخابات المحلية والبرلمانية.

ولهذا السبب إنتشر اللقب الذى كان مطلقا على اللواء محمد عبدالحليم موسى حين كان محافظا لأسيوط وهو " شيخ العرب " والذى أطلق عليه بسبب نجاحه فى إنهاء العديد من المنازعات والخصومات الثأرية بين عائلات أسيوط بشكل ودى.

كبار المشايخ

استمر موسى فى مخاطبة العناصر القيادية للجماعات مستعينا ببعض المشايخ الكبار وعلى رأسهم فضيلة الشيخ محمد متولى الشعراوى بهدف محاورة شباب تلك الجماعات التى إنتهجت مبدأ القوة من أجل التغيير .

وقد لعبت تلك المفاوضات التى كانت جزءا من مسمى أطلقته قيادات الجماعات وهو ما أطلق عليه إسم " المراجعات الفكرية " دور كبير فى شق صفوف الجماعات حيث أيد المفاوضات فريق منهم فيما عارضه فريق آخر والأخير عبر عن رفضه لها بسلسلة من التفجيرات ومحاولات الإغتيال بل ومحاولة إغتيال عبدالحليم موسى نفسه ولكن أنقذه القدر وراح بدلا منه رفعت المحجوب وعدد من الحرس حيث ظن الجناة بالخطأ أن موكب المحجوب هو موكب موسى لذلك قاموا بمهاجمته أمام فندق سميراميس بالتحرير وذلك فى محاولة منهم لإحراج المؤيدون وللقضاء على تلك المفاوضات.

وقد لعبت هذه المفاوضات وأيضا أعمال العنف دور كبير فى قيام الرئيس مبارك بإقالة اللواء محمد عبدالحليم موسى وتعيين اللواء حسن الألفى بدلا منه وذلك فى إبريل ١٩٩٣.

إعتقالات

وقد شن الألفى حملة إعتقالات واسعة ضد أعضاء الجماعات الإرهابية مما دعاهم لمحاولة الإنتقام منه وحاولوا إغتياله فى

١٨ أغسطس عام ١٩٩٣ أى بعد أربعة أشهر فقط من توليه مسئولية وزارة الداخلية، واستمر الصراع الدموى ولكن كانت القبضة الأمنية قوية وهدأت عواصف العنف عام تلو الآخر مما دعا مصر للإعلان عن حدث فنى وثقافى وسياحى هائل وهو إقامة عروض " أوبرا عايدة " فى معبد الدير البحرى الذى شيدته الملكة " حتشبسوت " ولذلك يطلق إسمها عليه وهو يقع فى باطن جبل القرنة بالبر الغربى لمدينة الأقصر.

الإنتقام

وفى داخل أروقة العنف والإرهاب ينتظر أحد زبانية الدم الفرصة الملائمة لكى ينتقم بسبب إعتقال عدد من زبانية الدم والإرهاب متربصا للأمن يسعى لبث سمومه فى قلب الوطن وهذا الرجل هو " رفاعى طه " قائد الجماعة الإسلامية المتشددة والذى حولها إلى تنظيم مسلح وهو أيضا قائد الجناح العسكرى بها ولعب دور كبير فى تأسيس تنظيم القاعدة الإرهابى ، والذى ظن أن الفرصة المنتظرة قد حانت وأصبحت قريبة المنال حين قرأ عن ذلك الحدث الكبير الذى سيحضره عدد هائل من مسئولى العالم خاصة من فرنسا وإيطاليا فضلا عن جميع وكالات الأنباء وعدد ضخم من سياح العالم وعلى الفور كون فريقا من الشباب ووضع خطة شيطانية لتفجير هذا الحفل الأسطورى الذى تقرر أن يقام فى نهاية أكتوبر عام ١٩٩٧ ، ولم تتوقف الخطة المشبوهة على التفجيرات فقط بل كان يأمل فى خطف بعض المسئولين الأجانب مع بعض السائحين بهدف إحراج نظام مبارك من جهة والمقايضة على الإفراج عن جميع العناصر الإرهابية.

وتتضمن الخطة قيام العناصر الإرهابية التى تم إختيارها من كتائب التنظيم الإرهابى الوضيع بإرتداء زى رجال الأمن والإندساس وسط رجال الشرطة وإنتظار اللحظة الحاسمة لتنفيذ المخطط المشبوه ، وبمكر وخسة وضع رفاعى طه خطة بديلة فى حالة فشل ذلك المخطط تقوم على تنفيذ عمل إرهابى آخر ضد السائحين وأيضا فى نفس المكان الذى أقيمت فيه عروض أوبرا عايدة.

وأمام الإجراءات الأمنية المشددة فشل الجناة فى تنفيذ خطة تفجير عروض أوبرا عايدة ، وفى المقابل تسرب الغرور لدى الأجهزة الأمنية بعد تأمين الحفل الأسطورى الذى شارك فيه الآلاف من مختلف جنسيات العالم ،وظنوا أنهم قضوا تماما على تلك الجماعات الإرهابية المشبوهة غير مدركين أن هناك ذئب وضيع يرتب لعمل إجرامى جديد.

ضاعت على الإرهابيين فرصة القيام بعمل مسلح فى أوبرا عايدة ولكن بقيت أمامهم فرصة تنفيذ الخطة البديلة .

الجريمة الكبرى

فى تمام الساعة التاسعة إلا الربع من صباح يوم الأثنين الموافق ١٧ نوفمبر عام ١٩٩٧ كانت مصر على موعد مع أكبر عمل إجرامى إرهابى فى العصر الحديث بل كانت على موعد مع مذبحة جديدة هى الأكبر بعد مذبحة القلعة .. المكان : معبد حتشبسوت أو معبد الدير البحرى بمدينة الأقصر .. سيارة بيجو كبيرة تقل ستة عناصر إرهابية يرتدون زيا عسكريا يضعون شارات سوداء على رؤوسهم مدون عليها عبارة " حتى الموت " .. مدججين بأسلحة رشاشة يسيرون وسط السائحون .. يلفتون الأنظار .. يكونون دائرة ..يشهرون أسلحتهم نحو صدور السياح الذى تنتابهم حالة من الذعر والفزع يشعرون بالعجز وقلة الحيلة لا يدرون ماذا يفعلون وماذا تخبىء لهم الأقدار.. لسان حالهم يقول نحن آمنون جئنا للتمتع بآثار " هذا البلد الأمين " .. يسعى كل منهم لإحتضان أبنائه وزوجته فى محاولة يائسة لإنقاذهم من الموت المحقق.

وفى المقابل فتح المجرمون النار على السائحين فقتلوا ٦٢ شخصا معظمهم من السائحون السويسريين بالإضافة إلى ٣ حراس مصريين غلابة ومرشد سياحى مصرى شاب وأصابوا ٢٦ سائحا بإصابات خطيرة ، وإستمروا فى تلك الحلقة الدموية الشنيعة لمدة ٤٥ دقيقة كاملة دون أى إعتراض أو مضايقة من أحد فى ظل غياب أمنى تام .

استقل الجناة أتوبيسا سياحيا وحاولوا الهرب غير أنه طاردتهم فرقة أمنية قد وصلت أخيرا فأسرع الجناة للتحصن فى إحدى المغارات بالمنطقة الجبلية الواقعة خلف المعبد الذى أصبح ملطخا بدماء الأبرياء وتبادلوا إطلاق النار مع الأجهزة الأمنية وبعد قرابة ربع ساعة نفذت الذخيرة مع الإرهابيين الستة فقرروا الإنتحار وقتلوا بعضهم البعض.

وقد عثرت أجهزة التحقيق على رسالة فى جيب أمير تلك الجماعة المنتحرة قال فيها " نعتذر لقائدنا على عدم تنفيذ المهمة الأولى " .. ويقصد إحتفالية أوبرا عايدة.

عقب هذا العمل الإجرامى الخسيس والذى أطاح بالطبع باللواء حسن الألفى من وزارة الداخلية أعلن الإرهابى رفاعى طه عن مسئولية الجماعة الإسلامية عن هذا الحادث ، فيما نفى أسامة رشدى المتحدث بإسم الجماعة صلة الجماعة الإسلامية بالحادث واستنكره، غير أن رفاعى طه قام فى عام ٢٠٠١ بإصدار كتاب تحت إسم " إماطة اللثام عن بعض أحكام ذروة سنام الإسلام " والذى تضمن اعترافا جديدا منه بالمسئولية عن مذبحة الأقصر بل وبرر أسباب القيام بها.

عبدالناصر محمد يكتب مذبحة الأقصر وتفاصيل أبشع مجزرة تعرضت لها مصر