27 سبتمبر 2022 19:10 2 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
مقالات

أحمد سليم يكتب: أيام من العمر

بوابة الكلمة

أعتقد أن الإنسان يولد فى حياته مرات عديدة وأيضاً يموت مرات عديدة فهناك لحظات فى الحياة تمثل ميلاداً جديداً أو تنبىء عن موت قادم. لحظات الميلاد تتكرر مع النجاة من مرض عضال أو حادث كبير أو مع مولد حب أو فرحة كبيرة فتجد الإحساس بأنك ولدت من جديد يملأ حياتك ولحظات الموت التى تخطف الإنسان من كل ما حوله والتى تأتى من فراق صعب أو موقف كارثى أو كسر قلب. وما بين لحظات ميلاد متعددة ولحظات موت تمضى الحياة فنحيا حيوات عديدة ونموت ايضا مرات عديدة.

فى مثل صباح الجمعة أغسطس ٨٢ عشت هذه اللحظات الفارقة وكان يوم ميلاد جديد أو كما نقول "انكتب لى عمر جديد" كنا قد انتهينا من حفل زفاف عمى وقررنا السفر الى القاهرة، أنا وشقيقتى وابنتا خالتى، وانطلقنا ومعنا طيور وهدايا ريفية لنزور قريبة لنا تزوجت قبلها بأيام وبعد حوالى النصف ساعة وكانت الشبورة تحجب الرؤية اسودت الدنيا لتظهر امامنا جاموسة تعبر الطريق ويهرب السائق منها لتنقلب السيارة وافيق فاتلفت حولى على صراخ وضجة لا أدرى كيف خرجت من السيارة ولكنى الآن ملقى على جانب الطريق تحاول سيدة عجوز بملابس سوداء سند رأسى وهى تصرخ شوفوا اللى بيموت دا، تلفّت لأبحث عمن يموت فأجد كل من كانوا معى يقفون حولى يصرخون، أضع يدى تحت ذقنى فأجد دماء، أحاول تحريك قدمى لا أستطيع، تأكدت ساعتها أننى الذى يموت، اغمضت عينى والصراخ مازال حولى، أردد الشهادة فى صمت، فيلم سريع يمر أمام عيناى المغمضتين، أمى وأبى إخوتى.. أتخيل جنازتى، سرادق العزاء، هل يلحقون بى صلاة الجمعة لتكون جنازة كبيرة يشارك فيها المصلون، جميل أن يموت الإنسان يوم جمعة هكذا قالوا، إذن ربما كانت علاقتى بربى جيدة. تمتد يد العجوز لتمسح الدماء بطرحتها السوداء، يحاولون إفاقتى ينقلوننى بسيارة ميكروباص إلى المستشفى المركزى ليبدأ الطبيب فى معالجة الجروح وخياطتها بدون تخدير، لحظات ألم قاسية ومازالت رائحة الموت حولى.

يتم نقلى لمستشفى آخر فى طنطا.. لحظات ما بعد الحادث أتامل ما حدث.. نعم استمرت رحلة المستشفى ما يقارب العام وللرحلة العديد من القصص ما بين مستشفى السنطة والمستشفى الأمريكى بطنطا والايطالى بالقاهرة وما بين ليالى المستشفى الطويلة ونهارها الممتلىء بالزيارات حكاوى عديدة عشت فيها أياما جميلة ولحظات قاسية وأيامها كانت رحمة الله الواسعة، لم أفقد حياتى ولا قدمى وظلت نجاتى من هذا الحادث لحظة ميلاد جديد احتفل بها كل عام، وأظل أحمد الله على رحمته، حادث تخيلت لحظتها أن الحياة توقفت ساعة أن خرجت من غرفة العمليات وأنا فى بدلة الجبس لأعيش بعدها أكثر من أربعين عاماً، وأنجح وأفشل وأتعرض لحوادث وأنجو منها لتنضم لأيام عديدة وأعياد ميلادية، بين رحيل أصدقاء وزملاء وذكريات تبدو كموت متقطع فالإنسان يموت على مرات مع رحيل صديق أو غدر حبيب أو قهر أو ظلم أو فشل كبير ويحيا مرات أخرى بين ولادة حفيد ونجاح جديد ونجاة من حادث أو شفاء من مرض وتمضى الحياة بين ميلاد يتكرر وموت يأتى على مرات. هكذا تمضى الحياة فتاريخ ميلادك هو فقط تاريخ وصولك للحياة، أما حياتك فتمتلئ بأعياد ميلاد عديدة.

أحمد سليم يكتب أيام من العمر