28 سبتمبر 2022 01:09 2 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
مقالات

مصطفى زكي يكتب: حَدِّث.. فالحرج لأهله

بوابة الكلمة

منذ بضعة أعوام.. قامت سيدة أمريكية بتسريب عدد من القطط خارج منزلها بعد عدوى أصابتها.. تركت القطط المريضة بلا علاج أو مأوى أو طعام أو شراب.. مما تسبب فى نفوق تسع منها.. اكتشف الأمر "الجريمة" حارس إحدى الحدائق.. فأبلغ المحكمة التى قضت بحكم هو الأول من نوعه فى تاريخ القضاء.. قضى الحكم بأن تقضي السيدة ليلة في غابة دون طعام أو شراب؛ لتشعر ببعض ما عانته تلك الكائنات المسكينة.. إلى جانب غرامة مالية بموجب قانون التخلي عن الحيوانات المنزلية فى ولايتها.

إلى هنا يبدو الخبر عاديًا والكلام مستساغًا، والجزاء من جنس العمل مستحقًا.. لكننا إن توقفنا قليلًا أمام مجموعة من التساؤلات لرأينا الأمر بعيون حائرة مندهشة من تناقض أصاب هذا العالم المريب.

فبماذا - إذن - وفى أي مكان بالعالم.. يستطيع مثل ذلك القاضي العادل فيما يستطيع أن يطبق عدله فيه.. الأخرس كشيطان عاجز أمام خطوط زئبقية مستذئبة بلون الدماء تُرسم بإحكام مذهل فى كل مكان على هذا الكوكب البائس.. بماذا يحكم القاضي على من تسببوا فى قضاء مئات الآلاف من الأطفال - الآدميين - حيواتٍ كاملة بلا مأوى أو طعام أو شراب، إلا ما أسعفتهم ألسنتهم في الحصول عليه - توسلًا وتسولًا - أو ما طاوعتهم "خفة أياديهم" - بمهارة فرضتها مآسيهم - في الوصول إليه.. والعدو بأقصى ما تستطيعه أرجلهم؛ هربًا من عدوٍ يحاصرهم فى كل الاتجاهات..

بماذا يقضى القاضى فى أى مكان كان على من تسببوا فى ليالٍ كدهورٍ يقضيها هؤلاء على أرصفة الشوارع، أو تحت الكبارى صيفًا وشتاءً، معرضين لكل أنواع الانتهاكات التي إن أردتَ أن تحصيها، فحدث ولا حرج.. فالحرج.. كل الحرج لأهله من أصحاب البيوت الزجاجية والياقات البيضاء، لكن من أين لهؤلاء بحرجٍ يتطلب قليلًا من دماءٍ فى وجوه باردة غامت ملامحها؟!!

بماذا يقضى "العادل" على من تسببوا.. أو تقاعسوا عن حماية أطفال الشوارع من سوادٍ قاتمٍ لا يرون غيره؟!

وبماذا - إذن - يحكم "قاضي القطط" على أنظمة الرأسمالية القبيحة المتعاقبة فى موطنه نفسه - الولايات المتحدة الأمريكية - الذين قتّلوا في جرم صريح ملايين الأطفال والكبار العزل الآمنين - أو هكذا ظنوا - وشردوا ملايين أخرين جراء قصف منازلهم، بل ومدنهم كاملةً، فصاروا بلا جدران تحمل بعضًا من أمانٍ لهم، وما تيسر من ذكريات.. صاروا بلا أوطان تؤويهم.. فقدوا هوياتهم وانتماءاتهم لكل شىء.. وللإنسانية نفسها.. أخرجوهم من ديارهم بقصف مباشر من سماء.. أو بجذور خبيثة غرسوها تحتهم، وتحت شعارات الطريق إلى الله، وباسمه تحدثوا وقتلوا وشردوا؟!!

هل لنا أن نحلم يومًا بقوانين لا تفرق بين حماية قططٍ، وردع نمورٍ تترصدها؟!

مصطفى زكي يكتب حَدِّث . فالحرج لأهله