9 ديسمبر 2022 13:33 16 جمادى أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

أحمد سليم يكتب: الجمعة والجامع

بوابة الكلمة

زمان ومكان وذكريات كثيرة عبر سنوات طويلة. الذهاب إلى صلاة الجمعة رحلة تبدأ مع متعلق بيده وهو يحتفظ بيدك خوفاً من أن تتوه عنه أو تبعد قليلاً. وتستمر علاقتك بالجمعة فتمر السنوات لتصحب ابنك إلى المسجد وتستمر الرحلة إلى أن يشاركك فيها الحفيد. الفرحة فى كل مرة تختلف

كانت رحلتى الأولى إلى الجامع والجمعة فى المرحلة الابتدائية وكان للجامع الكبير فى قريتنا صحن خارجى مكشوف يصلى فيه الصبية ومن يأتى متأخراً. كالعادة نذهب للصلاة قبل صعود الخطيب المنبر يستقبلنا صوت الشيخ سليم المرسى وهو من الأصوات الرائعة التى لم تحظ بالشهرة خارج القرية وعبر سنوات طويلة صعد هذا المنبر دعاة أفاضل وعلماء أجلاء..مسجد قريتنا الكبير أعاد بناءه اللواء عبد المجيد سليم ليصبح أكبر وأفضل وليتحول إلى مركز إسلامى.

بعد رحلتى الأولى والتى كنت أجلس مجاوراً لوالدى رحمه الله والذى كان حريصاً على مكان التزم به تقريباً فى كل صلوات الجمعة التى صحبته فيها وحتى وفاته وكان أبناء القرية لهم أماكن حريصون عليها فكان باستطاعتك أن تعرف من غاب عن الصلاة وكان أبناء القرية يحرصون

دائماً على السؤال عمن غاب ولماذا غاب.

كان الجامع يحقق هدف التواصل والتقارب من خلال صلاة الجمعة واستمرت الرحلة بدءاً من الراحلين الشيخ محمود الراعى والصاوى خلف حتى جيل الأحفاد الذين صعدوا المنبر بعد ذلك. وما بين الجامع الكبير والجامع الصغير كانت القرية تلتقى وكنا بعد الصلاة ينتظر البعض خروج الكل فهنا تلتقى المسافر والعائد وتئطمن على المريض وتتفقد الغريب.

على يمين المسجد كان يجلس الحاج عبد المنصف سليم والحاج محمد شليق وهناك بعيداً يجلس الشيخ إبراهيم الرملاوى والحاج أبو السعادات وهنا أو هنا يجلس الجميع. القرية الآن بها مساجد عدة تعلو أصوات ميكروفوناتها فلا تستطيع أن تميز ما تسمع أو تتفهم مايقال.

والآن لم نعد نعرف أخبار عائد أو مسافر أو مريض فمن لم تره تظن أنه فى مسجد آخر وهكذا تفقد الجمعة والجامع هدفاً مهماً فليبنى كل قادر مسجد. كما يشاء وليكثر الله المساجد ولكن لما لايتم تقنين صلاة الجمعة وأن تقام فى مسجد كبير.

وتغيرت الظروف وتغيرت ملامح الجامع الصغير بعد هدمه وبنائه مرة أخرى وبعد أن اكتشفنا أن سيدى محمد الولى صاحب الضريح الذي ظللنا نحتفل بمولده عشرات السنين ونتبرك به لم يكن موجوداً وأنه قصة مختلقة. كمئات القصص المختلفة فى حياتنا وكمئات الأضرحة التى نظل ندور حولها حتى نكتشف أننا كنا نزور شيئاً لا وجود له.

وتغيرت ملامح الجامع الكبير بعد هدمه وتبرع اللواء عبد المجيد سليم ببناء جامع آخر ربما يكون أكثر ارتفاعاً وأكثر اتساعاً ولكن ليس كملامح المسجد القديم بمكتبته وكتابه الذى تعلم فيه المئات من أبناء القرية أولى كلماتهم واختفت أجيال من رواده لتأتى أجيال جديدة.

أصبح فى القرية مساجد كثيرة ولكن لم تعد بها روح الجامع القديمة التى كانت تجعله ملتقى القرية وكان الفلاح قديماً يقصده للصلاة وحتى للاستحمام مساء بعد عودته من الحقل يذهب حاملاً الصابون والليفة وجلبابه النظيف. وكان مكاناً لحلقات الدروس ومكاناً للطلبة للمذاكرة فيه.

ومن جامع القرية إلى جامع سيدى أحمد البدوى ومنه إلى جامع أبو خليل بالزقازيق وجامع سيدى إبراهيم الدسوقى وسيدى شبل الأسود والمرسى أبو العباس والرحلة بين مساجد القاهرة التى تضم أضرحة آل البيت.

ولم تقف الرحلة مع الجمعة والجامع فى مصر فقط ولكنها امتدت إلى الجامع الأموى وجامع ابن عربى بدمشق ومسجد محمد الخامس بالمغرب والزيتونة بتونس وصلاة الجمعة مع القذافى إماماً وخطيباً إلى جمعة فى باريس وجمعة وأخريات فى دول أخرى ومساجد مشهورة وختاماً بالجمع الأجمل والأهم فى رحلة الحياة فى مكة والمدينة رحلات عديدة إلى بيوت الله.. نرجو الله ألا يحرمنا منها وأن يعود لنا الأقصى ليتحقق الحلم بالصلاة فيه.

أحمد سليم يكتب الجمعة والجامع