28 سبتمبر 2022 02:02 3 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
مقالات

أحمد سليم يكتب: صيف سبعينى

بوابة الكلمة

جلس السبعينى يتأمل الأهرام من بُعد يستعيد مع الأهرام ذكريات عديدة من أول رحلة مدرسية ذات صباح. فى عام ٦٥ تجمع الطلبة أمام المدرسة فى قريته بوسط الدلتا، لم تكن زيارته الأولى للقاهرة فقد سبقتها رحلة أخرى مع والده رحمه الله زار عمته وخاله بالمنيل ثم حديقة الحيوانات وأخذه والده إلى حديقة الأندلس وهناك التقط صورة له مع والده على السلالم بالحديقة وكما شهدت هذه الحديقة أول زيارة للقاهرة شهدت أيضاً أول نزهة له مع زوجته فى بدايات خطوبتهما.

وظلت علاقته بحديقة الاندلس دائمة قريبة هى من عمله طوال ثلاثين عاماً طالما أخذه الشوق ليدخل إليها وكثيراً ما توقف على النيل ليراها هل مازالت كما هى أم أضاع الزمن جمالها وتاريخها.

عاد السبعينى بذاكرته إلى رحلته المدرسية الأولى انطلق الأتوبيس إلى القاهرة من الصباح الباكر بعد حوالى الساعتين يظهر كورنيش النيل النهر الصديق الذى ارتبط به السبعينى فى رحلة صداقة وعمر هاهى مراكب النيل الصغيرة.

يتوقف الأتوبيس قليلاً أمام كوبرى قصر النيل يتأمل الصبى الصغير مياه النهر تمر تحت الكوبرى. النهر أكثر اتساعاً من ترعة القاصد بطنطا والتى كان الصبى يتخيلها نهراً كبيراً فقد كانت الصنادل التى تحمل الحجارة أو بعض المحاصيل مازالت تتخذها طريقاً الى ساحل القاهرة وكم حكى له كبار السن من قريته كيف كانوا يسافرون إلى القاهرة بمراكب الغلال من طنطا إلى منطقة الساحل بالقاهرة.

كانت صورة أسدى قصر النيل التى راها فى قصة مصورة تبدو الآن حقيقة أمامه هاهما أسدى قصر النيل كانت لهما هيبة فقداها مع الوقت حتى تحولت إلى مكان يكتب فيه العشاق ذكرياتهما.

ومن حديقة الأندلس إلى منطقة الأهرام وهناك يقف الصبى مذهولا فقد كان يعتقد أن مئذنة مسجد القرية هى أعلى الأبنية وكانت الحجارة فى سور منزلهم الكبير هى الأكبر فى مخيلته ليفاجأ بحجارة أكبر كثيراً لم يستوعب عقله ساعتها كيف تم البناء بها، ومن الأهرام إلى أبو الهول إلى حديقة الحيوان يوم طويل جداً وفى طريق العودة ظل الصبى يراجع تفاصيل الرحلة كى يحكى لوالدته عندما يعود وكما وعدها أنه سيحكى لها عن كل مارأه فى مصر.

رحلته الأولى القاهرة كانت من أهم الأوقات والأماكن التى حفرت فى ذاكرته العميقة مكاناً مازال مملوءاً بالحكى.

يعود السبعينى بذاكرته من أول رحلة إلى القاهرة لتجرى أمامه ذكريات مئات الرحلات بعدها من قريته إلى القاهرة ومدن ودول أخرى، يعود الصبى إلى قريته ويظل أياماً مع ذكريات رحلته حتى تأتى الإجازة الصيفية لتبدأ علاقته بالجرن تأخذ شكلاً آخر فقد كان الجرن وهو مكان واسع يقع فى الغالب على أطراف القرى وغالباً فى أراض تملكها الدولة ولا تستعمل إلا فى مواسم جنى ودرس القمح. ولأبناء القرى ذكرياتهم مع الجرن من ركوب النورج الذى كان ركوبه أثناء درس القمح متعة ننتظرها من العام للعام.

جرن القرية لم يكن بالنسبة للسبعينى هو مكان درس القمح فقط لأن ذلك كان يتم فى حقلهم وكان شهر حصاد ودرس القمح يبدأ بحصاده ولم تكن الميكنة قد أخذت طريقها للمزارع وكان ضم القمح موسماً للعامل الزراعى يليه نقل المحصول إلى الجرن ووضع القمح فى دائرة كبيرة ويظهر النورج ساعتها بأسلحته الحادة تجره ثيران قوية ليدور على قش القمح تمهيداً لمرحلة الدراوة والتى كانت تتم فى الأجران الصغيرة بالمدرسة الخشبية ويظل الفلاح يرفعها حاملة ما تم درسه ليتطاير التبن من أعواد القمح المدروس بعيداً ويتساقط حب القمح، أما ماكينة الدراوة فقط كانت بالحجز وفى الأجران الكبيرة يعقب ذلك نقل التبن إلى مخازن البيوت وتخزينه ليصبح غذاء المواشى طوال العام. أما القمح فيبدأ الفلاحون فى كيله وخصم الموسمية المخصصة للحلاق والبيطرى ومهن أخرى يتقاضى العاملون بها أجورهم من الفلاح قمحاً أو ذرة

ولم يكن جرن درس القمح فقط هو الجرن بالنسبة للصبى فقط كان هناك الجرن الكبير بجوار سكن الدريسة المجاور للسكك الحديدية وكانت الدولة فى السابق تخصص سكناً مبنياً على الطراز الإنجليزى لعمال صيانة السكك الحديدية حتى يكونوا بجوار عملهم وكانت الصيانة الدورية للقضبان وعربة المهندس التى يجرى على القضبان يدفعها عملان ويستقلها المهندس لتمر على مناطق العمل بما يكفل صيانة دورية من علامات ذلك الزمن.

كان الجرن الكبير هو ملعب القرية وعلى أرضه لعب عجيبة حارس المحلة وعزت حارس طنطا والعسال وعماشة نجم المحلة وكانت العارضة قائمين من الخشب وثالث فوقهما وفي حراسة المرمى لمع الأساتذة والكاباتن إبراهيم مأمون وفوخر ولعب أمامهم محمد يونس وعبدالمجيد سليم ومحمود سليم ومحمد ناجى ورضا عامر ومحمد فائق وسمير الغنام وعبد الفتاح شلبى، واسف بالذاكرة قد ضعفت وكان هذا هو الجيل الذهبى لقريتنا الذى كان يفوز على أغلب القرى ويظل شباب القرية يحتفلون بالفوز طوال الليل، وكم من مباريات بين القرى انتهت بمشاجرات كان الجمهور الضيف يدفع ثمنها العودة لقريته جرياً على الأقدام ملاحقاً بالحجارة.

وظل الجرن هو ملعب القرية حتى أقيمت مراكز الشباب فى عام ٦٦ لينتقل الملعب ومقر المركز إلى الوحدة المجمعة والتى كانت أهم ملامح تطوير القرية فى الستينات

وانتقل معه جيل اللاعبين إلى حياة جديدة ويظل هذا الجيل من أهم أبناء القرية الذين إلى مناصب هامة فى الدولة.

أحمد سليم يكتب صيف سبعينى