5 ديسمبر 2022 09:59 12 جمادى أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد مدير التحرير التنفيذي محمد خضر
مقالات

نزار السيسى يكتب: الخروج من عنق زجاجة السائد والمألوف

بوابة الكلمة

نادراً أن تجد إنساناً لم يتلوث بالتّلقين المبكر وإنشاء ثوابت فكرية راسخة من الخرافات والسذاجة التي لا يستطيع معها أن ينشئ وعيه الخاص دون أن يضطر لخوض عملية إزالة شاملة. إن الإنسان المطمئن لسذاجته الفكرية لا يمكن أن تتغير أحواله أبداً!
‏أما الإنسان الذي تهتز قناعاته وثوابته مع كل تساؤل وفكرة وموقف واكتشاف وتجربة، هو فقط من يمكنه أن يتبدل نحو الأفضل باستمرار دون توقف. إن الحقائق-إن وجدت غالباً تتوفر عند أصحاب العقول المنبسطة، الذين يمتلكون سلوكاً فكرياً معرفياً مترابِط بمرونة.
‏لا خلاف على أن محاولات الخروج عن المألوف والسائد جريئة وخطيرة، لكنها ممتعة. لكي تكون أنت.. لا تدع الأشياء تتحدث عنك، تحدث أنت عنها. ما أجمل أن ينفلت الإنسان من الرضوخ لسلطة السائد والمعتاد، أن يمارس فردانيته الأصيلة، أن يحرر وجوده من الأنماط المتوارثة
‏أنا أتفهم حالة الرضوخ لسلطة النصوص والأفكار لأنها متداولة بين ما يسمّى بـ(النخب الثقافية)، فتخشى النقد والتساؤل. أتفهم حالة الرضوخ لسلطة ما يسمى بـ(القامات الفلسفية)، لأنهم عناوين للفكر والثقافة. أتفهم حالة الرضوخ لسلطة ذوق بعينه خوفاً من اتهامك بعدم الفهم.‏ أتفهم حالة الرضوخ لسلطة(تعريف الأشياء)، والخوف من إطلاق تعريفك الخاص فيتهمونك بالجهل والغباء. أتفهم حالة الرضوخ لسلطة العائلة والمجتمع، حيث ترغب في أن تكون أنت بعيداً عن الشائع، فتخشى أن تصبح هدفاً للتقييمات داخل أُطر أخلاقية تتنافى مع ما يسمى(العادات والتقاليد). ‏أتفهم حالة الرضوخ لسلطة الدين والطائفة والمذهب، لأن انتقادك لهم أو خروجك عليهم سيفتح عليك أبواب الجحيم بمختلف أشكاله، سيجعلك عدواً منبوذاً يجب القضاء عليه. أتفهم كل حالات الرضوح التي تخلق من الإنسان كياناً مشوهاً لا ينتمي لكل ما يظهِره ويمارسه علانيةً.
ولكن يجب أن نعي جيداً ‏أن التفرد الفكري لا يعني أن تفرضه على الآخر فهذه حريتك، وحين تعرضه فعليك أن تكون قادراً على الدفاع عن فكرتك أو تغييرها وأن تتوقع مواجهة فئة تتخذ من الاتهامات وربما الشتائم حجة لها وهذا لايؤثر على صحة الفكرة مهما بلغ عددهم. فالفكر الموضوعي أي فكر سواءً راقياً أو مُنحطاً هو ترجمان وانعكاس للوجود في المكان الذي يتمثل فيه هذا الفكر، عندما نحاول أن نقرأ الفكر الموضوعي السائد في العالم الافتراضي أو أي مكان، نفهم مباشرة أنه انعكاس حقيقي للوجود العيني المُعاش في مكان وزمان هذا الفكر الموضوعي. الفكر جدل صامت فيجب علينا أن لا نصدر أحكاماً نهائية أو نُنمط من نتعامل معهم مباشرةً سواءً في الواقع أو العالم الافتراضي حسب المعطيات الحسّية الظاهرة عنهم لنا، ربما أن هناك صوراً ذهنية و تنميطاً عن بشر في أذهاننا ليست واقعهم بسبب ظروفهم، هناك من نظنه قامة سامقة أو مثقفاً وهو ربما يعاني.

نزار السيسى الخروج من عنق زجاجة السائد والمألوف