1 أكتوبر 2022 03:28 6 ربيع أول 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد
أخبار وتقارير

خطبة الجمعة: العشرُ الأواخرُ وفقهُ الأولوياتِ في واقعِنَا المعاصرِ

بوابة الكلمة

أعلنت وزارة الأوقاف موضوع خطبة الجمعة اليوم الموافق ٢٢ ابريل ٢٠٢٢ الواحد والعشرين من رمضان ١٤٤٣، موضحة فضلُ العشرِ الأواخرِ

ومبينة تحريِ ليلةِ القدرِ

ومشيرة إلى مراعاةُ فقهِ الأولوياتِ في واقعِنَا المعاصرِ

نص الخطبة

الحمدُ للهِ نحمدُهُ ونستعينُهُ ونتوبُ إليهِ ونستغفرُهُ ونؤمنُ بهِ ونتوكلُ عليهِ ونعوذُ بهِ مِن شرورِ أنفسِنَا وسيئاتِ أعمالِنَا، ونشهدُ أن لا إلهَ إلّا اللهُ وحدَهُ لا شريكَ لهُ وأنّ محمدًا عبدُهُ ورسولُهُ، صلَّى اللهُ عليه وسلم. أمَّا بعدُ:

أولًا: فضلُ العشرِ الأواخرِ

للعشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ فضلٌ عظيمٌ عندَ اللهِ تعالى، وقد ذكرَهَا اللهُ في قولِهِ:{وَالْفَجْرِ؛ وَلَيَالٍ عَشْرٍ} (الفجر: 1 ؛ 2)، وقد ذهبَ كثيرٌ مِن المفسرين إلى أنَّها العشرُ الأواخرُ مِن رمضانَ؛ لذلك كان يجتهدُ فيها النبيُّ صلَّى اللهُ عليه وسلم بالطاعةِ والعبادةِ والقيامِ، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ أَحْيَا اللَّيْلَ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ، وَجَدَّ وَشَدَّ الْمِئْزَرَ”(متفق عليه). قال الإمامُ ابنُ حجرٍ:” أيْ سهرَهُ فأحياهُ بالطاعةِ وأحيا نفسَهُ بسهرِهِ فيهِ؛ لأنَّ النومَ أخو الموتِ، وأضافَهُ إلى الليلِ اتساعًا؛ لأنَّ القائمَ إذا حيي باليقظةِ أحيا ليلَهُ بحياتِهِ.”(فتح الباري)، وشدُّ المئزرِ كنايةٌ عن بلوغِ الغايةِ في اجتهادهِ عليه السلامُ في هذه العشرِ.

وعَن عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَت: “كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْتَهِدُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مَا لَا يَجْتَهِدُ فِي غَيْرِهِا”( مسلم) يقولُ الإمامُ النوويُّ:” يستحبُّ أنْ يزادَ مِن الطاعاتِ في العشرِ الأواخرِ مِن رمضانَ، واستحبابُ إحياءِ لياليهِ بالعباداتِ .”

وقد سارتْ قوافلُ الصالحينَ تقفُ عندَ العشرِ وقفةَ جدٍ وصرامةٍ، تمتصُّ مِن رحيقِهَا وتنهلُ مِن معينِهَا، وترتوي مِن فيضِ عطاءاتِهَا، وتعملُ فيها ما لا تعملُ في غيرِهَا، حتى صنعتْ هذه العشرُ رجالًا ترَبُّوا على الطاعةِ والإيمانِ. يقولُ أبو عثمان النهدِي: «كانُوا يعظمُون ثلاثَ عشراتٍ: العشرُ الأولُ مِن محرمٍ، والعشرُ الأولُ من ذي الحجةِ، والعشرُ الأواخرُ مِن رمضانَ». ومِن شدةِ تعظيمِهم لهذه الأيامِ كانوا يتطيبُون لها ويتزينُون، قال ابنُ جريرٍ: كانوا يستحبُون أنْ يغتسلُوا كلَّ ليلةٍ مِن ليالِي العشرِ الأواخرِ، وكان النخعيُّ يغتسلُ كلَّ ليلةٍ!

وكان ثابتُ البناني وحميدُ الطويلُ يلبسانِ أحسنَ ثيابِهِمَا ويتطيبانِ ويطيبانِ المسجدَ بالنضوحِ في الليلةِ التي تُرجَى فيها ليلةُ القدرِ. قال ثابتٌ: وكان لتميمِ الداريِّ حلةٌ يلبسُهَا في الليلةِ التي تُرجَى فيها ليلةُ القدرِ.

هكذا كانوا تعظيمًا لهذه العشرِ، وهكذا كانوا اجتهادًا في العبادةِ وانقطاعًا لها في هذه الليالي المباركاتِ.

فأين نحنُ مِن قومٍ كانوا أنضاءَ عبادةٍ وأصحابَ سهرٍ؟!

انظروا إلى امرأةِ حبيبِ العجمِي -وهو أحدُ السلفِ- تقولُ لهُ في الليلِ: قد ذهبَ الليلُ وبينَ أيدينَا طريقٌ بعيدٌ، وزادٌ قليلٌ، وقوافلُ الصالحينَ قد سرتْ ومضتْ، ونحن بقينَا.

فهذه المرأةُ لم تنشغلْ بطعامٍ ولا بشرابٍ، ولا بوصفاتِ إعدادِ الأطعمةِ، ولا بالموضاتِ وما ينزلُ خصيصًا في العشرِ الأواخرِ مِن الملابسِ والموضاتِ، لقد شغلتُهُم المشاغلُ الإيمانيةُ، وألهتُهُم عن هذه الأمورِ الدنيويةِ.

وهكذا الفرقُ بينَ حالِنَا في رمضانَ وحالِ سلفِنَا الصالحِ، وكفى بالواقعِ المعاصرِ على ذلك دليلًا !!!

ثانيًا: تحريِ ليلةِ القدرِ

لقد خصَّ اللهُ سبحانَهُ وتعالى هذه الأمةَ في هذه العشرِ بليلةٍ هي خيرٌ مِن ألفِ شهرٍ، قال ابنُ كثيرٍ في تفسيرِهِ عن مجاهدٍ: " أنَّ النبيَّ صلَّى اللهُ عليه وسلم ذكرَ رجلًا مِن بني إسرائيلَ لَبسَ السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ، قال: فَعَجبَ المسلمون مِن ذلك، قال: فأنزلَ اللهُ عزَّ وجلَّ: { إِنَّا أَنزلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ؛ وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ؛ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ( القدر : 1-3) التي لبسَ ذلك الرجلُ السلاحَ في سبيلِ اللهِ ألفَ شهرٍ ، فليلةٌ واحدةٌ خيرٌ مِن عبادةِ 83 سنة مِن الأممِ الماضيةِ، فما بالُكَ لو صادفتْكَ ليلةُ القدرِ عشرين سنةً مثلًا.

وعَنْ الِإمَامِ مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ:" إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ؛ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ؛ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ" ( موطأ مالك).

وقد كان مِن هديهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم في هذه العشرِ الأخيرةِ مِن رمضانَ أنَّهُ يتحرى ليلةَ القدرِ، وقالً في ذلك:” مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ.”(البخاري)؛ فيا سعادةَ مَن نالَ بركتَهَا وحظيَ بخيرِهَا، ويستحبُّ الإكثارُ مِن الدعاءِ فيها، فعن عَائِشَةَ رضي اللهُ عنها: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْتَ إِنْ عَلِمْتُ أَيُّ لَيْلَةٍ لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَا أَقُولُ فِيهَا قَالَ:” قُولِى اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ كَرِيمٌ تُحِبُّ الْعَفْوَ فَاعْفُ عَنِّى”.(الترمذي وابن ماجة).

إنَّ العبادةَ والعملَ الصالحَ فيها مِن الصيامِ والقيامِ والدعاءِ وقراءةِ القرآنِ خيرٌ مِن العملِ في ألفِ شهرٍ ليسَ فيها ليلةُ القدرِ، قالَ تعالى: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}(القدر: 3). قال الإمام الطبري رحمه الله في تفسيره: “عملٌ في ليلةِ القدرِ خيرٌ مِن عملِ ألفِ شهرٍ ليس فيها ليلةُ القدرِ” .

فالساعةُ الواحدةُ فيها تساوي ثمانِ سنواتٍ مِن عمرِ الزمانِ، والدقيقةُ تساويِ خمسينَ يومًا !!

إنَّ ليلةَ القدرِ دعوةٌ لكلِّ المتخاصمينَ والمتشاحنينَ والمتباغضينَ أنْ يصطلحُوا حتى تتنزلَ البركاتُ والرحماتُ؛ لأنَّ البغضاءَ والشحناءَ سببٌ لرفعِ البركاتِ، وقد وقفتُ مع نفسِي وقفةً وتأثرتُ كثيرًا حينمَا قرأتُ حديثًا عن ليلةِ القدرِ في صحيحِ البخاري. فعن عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ:” أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يُخْبِرُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ: إِنِّي خَرَجْتُ لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّهُ تَلَاحَى فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ ” قلت: رفعتْ أعظمُ ليلةٍ بسببِ شجارٍ وخصامٍ بين رجلين! فما بالُكّم بواقعٍ الأمةِ الآن؟!

ألا فلنسارعْ إلى المصافحةِ والمصالحةِ والعفو والسماحةِ ونغتنمْ قيامَ هذه الليلةِ حتى نفوزَ بمغفرةِ اللهِ ورضوانهِ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:” مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ” ( البخاري).

إما إذا انغمسنَا في الدنيا والتقاطعِ والتشاحنِ فقد حُرمنَا الخيرَ كلَّ الخيرِ، فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، قَالَ : دَخَلَ رَمَضَانُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى الله عَليْهِ وسَلَّمَ : “إِنَّ هَذَا الشَّهْرَ قَدْ حَضَرَكُمْ ، وَفِيهِ لَيْلَةٌ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ، مَنْ حُرِمَهَا , فَقَدْ حُرِمَ الْخَيْرَ كُلَّهُ ، وَلاَ يُحْرَمُ خَيْرَهَا إِلاَّ مَحْرُومٌ ”( سنن ابن ماجة ).

وليكن لك القدوةُ في حبيبِكَ صلَّى الله عليه وسلم في عفوهِ وصفحهِ وتسامحهِ مِن أجلِ اللهِ، وإقامةِ مجتمعهِ على متانةِ الروابطِ الاجتماعيةِ، فيقولُ عليه السلامُ:” اللَّهُمَّ إِنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَكَ عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ؛ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ؛ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْتُهُ؛ شَتَمْتُهُ؛ لَعَنْتُهُ؛ جَلَدْتُهُ؛ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا إِلَيْكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”(مسلم).

وانظرْ إلى عبدِاللهِ بنِ مسعودٍ فقد جاءَهُ رجلٌ فقالِ: “إنَّ لي جارًا يؤذينِي ويشتمنِي ويضيقُ عليَّ فقالَ ابنُ مسعودٍ: اذهبْ فإنْ هو عصى اللهَ فيكَ فأطعْ اللهَ فيه” (إحياء علوم الدين).

ثالثًا: مراعاةُ فقهِ الأولوياتِ في واقعِنَا المعاصرِ

إنَّ فقهَ الأولوياتِ في واقعِنَا المعاصرِ يقتضِي تقديمَ قضاءِ الحوائجِ على تكرارِ الحجِّ والعمرةِ، ولا سيَّمَا في هذه المرحلةِ الراهنةِ، وفي ظروفِ الأزماتِ والوباءِ والبلاءِ، وحسبُنَا أنْ نذكرَ هنا ما جاءَ على لسانِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ رضي اللهُ عنه عندمَا قال: «يكثرُ الناسُ في آخرِ الزمانِ مِن الحجِّ بلا سببٍ، يهونُ عليهم السفرُ، ويُبسطُ لهم في الرزقِ، فيهوى بأحدهِم بعيرهُ بينَ الرمالِ والقفارِ، يضربُ في الأرضِ وجارُهُ إلى جنبهِ مأسورٌ لا يواسِيه».

وها هي تلك الحقيقةُ يرسيهَا جليةً هذا المتصوفُ الزاهدُ «بشرُ بنُ الحارث» عندما جاءَهُ رجلٌ وقال له: يا أبا نصر إنِّي أردتُ الحجَّ وجئتُكَ أستوصِيكَ فأوصنِي. فقال له: كم أعددتَ مِن نفقةِ الحجِّ؟ قال: ألفى درهمٍ. فقال له: هل تريدُ الحجَّ تزهدًا أم اشتياقًا إلى البيتِ أم ابتغاءَ مرضاةِ اللهِ؟ قال: واللهِ ابتغاءَ مرضاةَ اللهِ. فقال له: هل أدُّلُكَ على ما تحققُ به مرضاةَ ربِّكَ وأنت في بلدِك وبينَ عشيرتِك، تُعطى هذه الدراهمَ عشرةَ أنفسٍ: فقيرًا ترممُ فقرَهُ، ويتيمًا تقضى حاجتَهُ، ومدينًا تقضِى عنه دينَهُ، ومعيلًا تخففُ عنه الأعباءَ

ولو أعطيتَهَا واحدًا لتسدَّ بها حاجتَهُ فهو أفضل. وهل هناك أسمَى مِن أنْ يطعمَ المسلمُ جائعًا أو يداوي مريضًا أو يأوي مشردًا أو يكفلُ يتيمًا أو يقضٍى حاجةَ أرملةٍ، خاصةً إنْ كان كلُّ هؤلاء مِن المدافعين عن المقدساتِ والأوطانِ. وصدقَ اللهُ تعالى حيثُ يقولُ: « أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآَخِرِ» «التوبة:19».

إنَّ العملَ الأكثرَ نفعًا مفضلٌ على غيرهِ، وعلى قدرِ نفعهِ للآخرين يكونُ فضلهُ وأجرهُ عندَ اللهِ تعالى، وفي ذلك يقولُ صلَّى اللهُ عليه وسلم:" أَحَبُّ النَّاسِ إِلَى اللهِ أَنْفَعُهُمْ لِلنَّاسِ، وَأَحَبُّ الأَعْمَالِ إِلَى اللهِ سُرُورٌ تُدْخِلُهُ عَلَى مُسْلِمٍ، أَوْ تَكْشِفُ عَنْهُ كُرْبَةً، أَوْ تَقْضِي عَنْهُ دَيْنًا، أَوْ تَطْرُدُ عَنْهُ جُوعًا“.” الطبراني بسند حسن”.

ويقولُ – أيضًا- صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:” مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَخِيهِ كَانَ اللَّهُ فِي حَاجَتِهِ؛ وَمَنْ فَرَّجَ عَنْ مُسْلِمٍ كُرْبَةً فَرَّجَ اللَّهُ عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرُبَاتِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ؛ وَمَنْ سَتَرَ مُسْلِمًا سَتَرَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ”.(متفق عليه) .

ويؤيدُ ذلك هذه القصةَ التي ذكرَها الإمامُ ابنُ كثيرٍ في البدايةِ والنهايةِ حيثُ يقولُ:” خرجَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ مرةً إلى الحجِّ فاجتازَ ببعضَ البلادِ فماتَ طائرٌ معهم فأمرَ بإلقائهِ على مزبلةٍ هناك، وسارَ أصحابُهُ أمامَهُ وتخلفَ هو وراءَهُم، فلمَّا مرَّ بالمزبلةِ إذ بجاريةٍ قد خرجتْ من دارٍ قريبةٍ منها فأخذتْ ذلك الطائرَ الميتَ ثم لفتْهّ ثم أسرعتْ بهِ إلى الدارِ، فجاءَ فسألَهَا عن أمرِهَا وأخذِهَا الميتةَ، فقالتْ أنا وأخي هنا ليس لنا شيءٌ إلّا هذا الإزار، وليس لنا قوتٌ إلا ما يُلقَى على هذه المزبلةِ، وقد حلتْ لنا الميتةُ منذُ أيامٍ، وكان أبونَا له مالٌ فظُلِمَ وأُخِذَ مالُهُ وقُتل. فأمرَ ابنُ المباركِ بردِّ الأحمالِ وقال لوكيلِهِ: كم معكَ مِن النفقةِ ؟ قال: ألفَ دينارٍ. فقالَ: عدَّ منها عشرينَ دينارًا تكفينَا إلى بلادِنَا وأعطِهَا الباقي، فهذا أفضلُ مِن حجِنَا في هذا العامِ، ثم رجعَ.”

ومع ذلك قد كتبَ اللهُ لهُ أجرَ الحجِّ كاملًا – وهو في بيتِهِ – فالأعمالُ بالنياتِ، فكم مِن أّناسٍ في بيوتِهِم كُتِبَ لهم أجرُ الحجِّ كاملًا دونَ نقصانٍ، وكم مِن أُناسٍ حجُّوا مراتٍ عديدةً رياءً وسمعةً لا يتقبلُ اللهُ منهم.

خطبة الجمعة العشرُ الأواخرُ وفقهُ الأولوياتِ واقعِنَا المعاصرِ