19 أغسطس 2022 08:02 22 محرّم 1444
بوابة الكلمة رئيس التحرير هشام جاد رئيس التحرير التنفيذي محمد خضر
أخبار وتقارير

دعوة للعمل ونفضِ النوم وترك الكسل.. رمضان شهر الجد والانتصارات (خطبة الجمعة)

بوابة الكلمة

أشارت وزارة الأوقاف المصرية إلى أن خطبة الجمعة اليوم 15 إبريل 2022 تحت عنوان "رمضان شهر الجد والعمل والانتصارات"، وأكد الوزارة على جميع الأئمة الالتزام بموضوع الخطبة نصًّا أو مضمونًا على أقل تقدير، وألا يزيد أداء الخطبة على عشر دقائق للخطبتين الأولى والثانية مراعاة الاجراءات الاحترازية.

وتشير خطبة الجمعة إلى رمضانُ دعوةٌ للعملِ، ونفضِ النومِ، وتركِ الكسلِ، موضحة أهمُّ الانتصاراتِ التي وقعتْ في شهرِ رمضانَ المعظم.

نص الخطبة

الحمدُ للهِ حمدًا يُوافي نعمَهُ، ويُكافىءُ مزيدَهُ، لك الحمدُ كما ينبغِي لجلالِ وجهَكَ، ولعظيمِ سلطانِك، والصلاةُ والسلامُ الأتمانِ الأكملانِ على سيدِنَا محمدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أمَّا بعدُ ،،،

رمضانُ دعوةٌ للعملِ، ونفضِ النومِ، وتركِ الكسلِ:

إنَّ العبادةَ والعملَ في الإسلامِ لا يفترقانِ فهمَا متلازمتانِ تلازمًا لا انفكاكَ لأحدهِمَا عن الآخرِ, فالعبادةُ ما هي إلّا عملٌ يُسعَى به إلى إرضاءِ الخالقِ, وهي المقصدُ الأسمَى مِن إيجادِ الإنسانِ, قالَ تعالَى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾، والعملُ عبادةٌ، إذ يحققُ معنى الاستخلافِ في الأرضِ قالَ تعالَى على لسانِ صالحٍ عليه السلامُ: ﴿هُوَ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ﴾، والمستقرءُ للسياقِ القرآنِيِّ يجدُ أنَّ اللهَ قد ربطَ بينَ العبادةِ والسعيِ لطلبِ الرزقِ، وتحصيلِ لقمةِ العيشِ فقالَ تعالَى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، لكنْ تجدُ البعضَ قد حوَّلَ هذا الشهرَ إلى حالةٍ من الكسلِ والتباطءِ عن العملِ، فتجدُ أحدَهُم يسهرُ الليلَ كلَّهُ، وينامُ النهارَ ولا يستيقظُ إلّا على الإفطارِ، فهل هذا حققَ مقصدَ الصيامِ والغايةَ منهُ ؟!

وتجدُ البعضَ الآخرَ يذهبُ للعملِ، لكنَّهُ يصلُ متأخرًا، ويتكاسلُ عن قضاءِ مصالحِ الخلقِ بل أحيانًا يؤجلُ ويُسَوِّفُ إلى ما بعدَ رمضانَ بحجةٍ أنّ الصيامً يُتعبُهُ ويُرهقُهُ، وأحيانًا يتعاملُ مع مَن أمامَهُ بالضجرِ والضيقِ، ألَا يدرِي هذا وأمثالُهُ أنَّ الانضباطَ في مواعيدِ العملِ، وأنَّ إتقانَ ما أسندَ إليهِ مِن أعمالٍ قد جاءَ بهِ الأمرُ عن سيدِ الخلقِ على وجهِ العمومِ

دونَ تخصيصِ ذلك بوقتٍ معينٍ فعَنْ عَائِشَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحِبُّ إِذَا عَمِلَ أَحَدُكُمْ عَمَلًا أَنْ يُتْقِنَهُ» (أَبُو يَعْلَى) ولأنَّ الْإِمْدَادَ الإلهِيَّ ينزلُ على الْعَامِلِ بِحَسبِ عملِهِ، فَكلُّ مَن كَانَ عملُهُ أتقنَ وأكملَ، فالحسناتُ تضَاعفُ أَكثر، وَإِذا أَكثرَ العَبْدُ أحبَّهُ اللهُ تَعَالَى، بل أحيانًا قد تفوقُ قيمةُ العملِ، وثوابُ العاملِ قيمةَ بعضِ العباداتِ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ اللَّهَ لِيُبَلِّغُ الْعَبْدَ بِحُسْنِ خَلْقِهِ دَرَجَةَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ» (الحاكم وصححه ووافقه الذهبي)، وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْمِسْكِينِ، كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللهِ - وَأَحْسِبُهُ قَالَ - وَكَالْقَائِمِ لَا يَفْتُرُ، وَكَالصَّائِمِ لَا يُفْطِرُ» (متفق عليه) .

فما أجملَ في هذا الشهرِ الكريمِ أنْ يسعَى المسلمُ لقضاءِ مصالحِ الخلقِ، وإنجازِ مهامِّ عملِهِ، فيكونُ بذلك مفتاحًا للخيرِ، مغلاقًا لأبوابِ الشرِّ فعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلْخَيْرِ، مَغَالِيقَ لِلشَّرِّ، وَإِنَّ مِنَ النَّاسِ مَفَاتِيحَ لِلشَّرِّ مَغَالِيقَ لِلْخَيْرِ، فَطُوبَى لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الْخَيْرِ عَلَى يَدَيْهِ، وَوَيْلٌ لِمَنْ جَعَلَ اللَّهُ مَفَاتِيحَ الشَّرِّ عَلَى يَدَيْهِ» (ابن ماجه بسند حسن) .

إنَّ الإسلامَ أمرَ بالجدِّ والعملِ في شهرِ رمضانَ، ورفضَ منهجَ السلبيةِ والتواكلِ، والاحتجاجِ بالعبادةِ لتركِ العملِ والسعيِ، وأنْ يكونَ الإنسانُ عالةً على الآخرين، فبقدرِ كدِّهِ وتعبهِ في الحياةِ يكونُ جزؤاهُ وأجرهُ، وحيثمَا كنتَ تستطيعُ أنْ تتقربَ إلى اللهِ سبحانَهُ وذلك بإخلاصِ النيةِ، وصدقِ الطويةِ، وحسنِ العملِ، والقيامِ على خدمةِ الآخرين، أمَّا تركُ العملِ والتقاعسُ عن أداءِ الواجباتِ فهذا فيه خيانةٌ للأمانةِ التي وسدتْ إليهِ، وليحذرْ فاعلُهُ فهو على خطرٍ عظيمٍ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «آيَةُ الْمُنَافِقِ ثَلَاثٌ: إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ، وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ، وَإِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ» (متفق عليه) .

إنَّ المقصدَ الأسمَى مِن الصيامِ تحقيقُ التقوى وهي التي تدفعُ المسلمَ إلى أنْ يقومَ بواجباتِهِ، ويؤدِّى عملَهُ على الوجهِ الأكملِ، والمتصفحُ في السيرةِ النبويةِ يجدُ أنَّ نبيَّنَا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يردْ عنهُ أو عن غيرهِ مِن الصحابةِ أنَّهُم كانوا يتركونَ فيهِ أمورَ معاشِهِم للتفرغِ للعبادةِ، بل يجمعونَ بينَ ذلك كلِّهِ في توازنٍ مُحَكمٍ يضمنُ أداءَ العبدِ ما افترضَهُ اللهُ مِن عباداتٍ، واستقرارَ العملِ والإنتاجِ بطريقةٍ وسطيةٍ لا إفراطَ فيها ولا تفريط، ولذا رفضَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أنْ يكونَ الصومُ حجةً لتركِ العملِ, والتعللِ بهٍ، وجعلَهُ سبيلًا إلى العنتِ والمشقةِ فعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَامَ الْفَتْحِ إِلَى مَكَّةَ فِي رَمَضَانَ فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ كُرَاعَ الْغَمِيمِ، فَصَامَ النَّاسُ، ثُمَّ دَعَا بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ فَرَفَعَهُ، حَتَّى نَظَرَ النَّاسُ إِلَيْهِ، ثُمَّ شَرِبَ، فَقِيلَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ: إِنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ صَامَ، فَقَالَ: «أُولَئِكَ الْعُصَاةُ، أُولَئِكَ الْعُصَاةُ» (مسلم) .

أهمُّ الانتصاراتِ التي وقعتْ في شهرِ رمضانَ المعظم:

لقد حفلَ تاريخُ المسلمين الطويلُ بستجيلٍ نماذجَ متعددةٍ مِن الانتصاراتِ في شهرِ رمضانَ مما يؤكدُ أنَّهُ شهرُ الإنتاجِ والعملِ لا الخمولِ والكسلِ، ففيهِ وقعَ انتصارُ بدرٍ (2ه)- وقد سماهُ القرآنُ الكريمُ يومَ الفرقانِ - الذي أعزَّ اللهُ فيه نبيَّهُ صلَّى اللهُ عليه وسلم والمؤمنين، قالَ تعالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، فالمسلمونَ كانُوا أذلةً متضرعين صائمين، أمَّا المشركون فنرى فيهم الكبرَ والعنجهيةَ، فأبو جهلٍ لما جاءَهُ الخبرُ بنجاةِ القافلةِ أصرَّ على التقدمِ، وقالَ: «وَاَللَّهِ لَا نَرْجِعُ حَتَّى نَرِدَ بَدْرًا- وَكَانَ بَدْرٌ مَوْسِمًا مِنْ مَوَاسِمِ الْعَرَبِ ، يَجْتَمِعُ لَهُمْ بِهِ سُوقٌ كُلَّ عَامٍ- فَنُقِيمُ عَلَيْهِ ثَلَاثًا، فَنَنْحَرُ الْجُزُرَ، وَنُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَنُسْقِي الْخَمْرَ، وَتَعْزِفُ عَلَيْنَا الْقِيَانُ، وَتَسْمَعُ بِنَا الْعَرَبُ وَبِمَسِيرِنَا وَجَمْعِنَا، فَلَا يَزَالُونَ يَهَابُونَنَا أَبَدًا بَعْدَهَا، فَامْضُوا»، لكنْ رسولُنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ استشارَ أصحابَهُ مِن المهاجرينَ والأنصارِ - كعادتِهِ – فسُرَّ وفرحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بما قالُوا ثُمَّ قَالَ: «سِيرُوا وَأَبْشِرُوا , فَإِنَّ اللهَ قَدْ وَعَدَنِي إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَاللهِ لَكَأَنِّي أَنْظُرُ الْآنَ مَصَارِعَ الْقَوْمِ»، فكانَ النصرُ حليفَهُم، والتوفيقُ سبيلَهُم، والمددُ الإلهيُّ معهُم، واستمعْ إلى السياقِ القرآنيِّ وهو يجسدُ هذا المشهدَ في صورةٍ حيةٍ كأنَّهُ واقعٌ مشاهدٌ فيقولُ ربُّنَا: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ * وَمَا جَعَلَهُ اللَّهُ إِلَّا بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلَّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيم﴾

لقد كانتْ طاعةُ اللهِ ورسولهِ، والبعدُ عن التنازعِ والخلافِ، واللجوءُ إلى اللهِ والاعتمادُ عليه، والإلحاحُ في الدعاءِ مِن أهمِّ عواملِ النصرِ العظيمِ في يومِ بدرٍ، حيثُ يقولُ ربُّنَا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ * وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾، فما أحوجَ واقعُنَا المعاصرُ إلى مثلِ هذا .

ووقعَ في رمضانَ أيضًا فتحُ مكةَ (8ه) الذي ضربَ فيهِ رسولُنَا صلَّى اللهُ عليه وسلم أروعَ الأمثلةِ في الصفحِ والعفوِ عن المسيئينَ قالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَا تَرَوْنَ أَنِّي صَانِعٌ بِكُمْ؟» قَالُوا: خَيْرًا، أَخٌ كَرِيمٌ، وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ: «اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (السنن الكبرى)، ولذا سماهُ يومَ المرحمةِ فقالَ صلَّى اللهُ عليه وسلم: «يَا أَبَا سُفْيَانَ، الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَرْحَمَةِ، الْيَوْمَ أَعَزَّ اللَّهُ فِيهِ قُرَيْشًا»، وقد وفَّرَ لهُم وسائلَ كي يأمنَ أهلُ مكةَ فقَالَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَلْقَى السِّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ أَغْلَقَ بَابهُ فَهُوَ آمِنٌ» (مسلم)، وتلك هي خصائصُ شهرِ رمضانَ، فهو شهرُ المغفرةِ والرحمةِ والعفو، والأمنِ والأمانِ، والسلمِ والسلامِ.

وهناكَ موقعةُ البويبِ (13ه) التي حدثتْ في عهدِ عمرَ بنِ الخطابِ، وقد وقعتْ على ضفافِ نهرِ الفراتِ في بلادِ فارسٍ، بوصيةٍ مِن أبِي بكرٍ الصديقِ رضي اللهُ عنهما خليفةِ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم، وكان قائدُ المسلمين المثنَّى بنُ حارثة، وانتصرَ المسلمونَ على الفرسِ، وارتفعَ فيها لواءُ الإسلامِ.

وفي رمضانَ عام (658هـ) دارتْ رحىَ معركةِ عينِ جالوت على أرضِ فلسطين، وكانتْ هذه المعركةُ بينَ المسلمين المماليكِ بقيادةِ قُطز، وبينَ المغولِ الذين عاثُوا في الأرضِ فساداً، وكان النصرُ حليفَ المسلمين، وكسرَ القائدُ المظفرُ قطزُ حاجزَ الخوفِ، وهزمَهُم شرَّ هزيمةٍ.

لقد فهمَ الأوائلُ أنَّ رمضانَ شهرُ عملٍ وعبادةٍ لا شهرُ نومٍ وكسلٍ, وأنَّه لا تعارضَ اطلاقًا بين مفهومِ العبادةِ وبينَ السعيِ والضربِ في الأرضِ طلبًا للرزقِ، بل فعلُ هذا داخلٌ بالضرورةِ تحتَ العبادةِ، ولا ينكرُ ذلك إلٌا جاهلٌ جهولٌ لا يعرفُ مِن الدينِ سوىَ القشور، ولا يدركُ المقاصدَ الشرعيةَ والأهدافَ الساميةَ للعباداتِ، لقد أرسلَ عبدُ اللهِ بنُ المباركِ بقصيدةٍ للفضَيلِ بنِ عياضٍ، حيثُ كان فضيلُ في مكةَ ملازمًا للحرمِ،

وكان ابنُ المباركِ مرابطًا في الثغورِ في طرسوسِ ومما جاءَ في قصيدتهِ:

يا عابدَ الحرمينِ لو أبصرتَنَا … لعلمتَ أنَّكَ بالعبادةِ تلعبُ

مَن كان يخضِبُ جيدَهُ بدموعِهِ ... فنحورُنَا بدمائِنَا تتخضَّبُ

أوْ كان يُتعِبُ خيلَهُ في باطلٍ ... فخيولُنَا يومَ الصبيحةِ تتعبُ

ريحُ العبيرِ لكمُ ونحنُ عبيرُنَا... رهَجُ السنابكِ والغُبارُ الأطيبُ

ولقد أتانَا مِن مقالِ نبيِّنَا ... قولٌ صحيحٌ صادقٌ لا يكذبُ

لا يستوي وغُبارُ خيلِ اللهِ في ... أنفِ امرئٍ ودُخانُ نارٍ تلهَبُ

هذا كتابُ اللهِ ينطقُ بينَنَا ... ليس الشهيدُ بميتٍ لا يُكذَبُ

ولما أُلقِيَ بكتابِ ابنِ المباركِ إلى الفضيلِ، وكان في الحرمِ قرأَهُ وبكَى، ثم قالَ: صدقَ أبو عبدِ الرحمنِ ونصحَ

وأعظمُ معركةٍ وقعتْ في العصرِ الحديثِ حربُ أكتوبرِ المجيدِ الذي حدثَ في العاشرِ مِن رمضانَ عام (1393هـ) السادسِ مِن أكتوبر 1973م، حيث التقَى المصريونَ مع العدوِّ الغاشمِ على أرضِ سيناءَ الحبيبةِ، فهَزمَ الجيشُ المصريُّ العظيمُ هذا المحتلَ، واستردُوا أرضَهُم، وحمُوا عرضَهُم، ورفعُوا رايةَ بلادِهِم عاليةً خفاقةً، وما زالَ الجيشُ المصريُّ على العهدِ باقيًّا وسيظلُّ كذلك إلى أنْ يرثَ اللهُ الأرضَ ومَن عليهَا رغمَ كيدِ الكائدين، وأبواقِ المفسدين مصداقًا لقولِ سيدِ المرسلين فعَن عمرِو بنِ العاص حدثنِي عمرُ أنَّهُ سمعَ رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم يقولُ:«إذا فتحَ اللهُ عليكم مصرَ بعدِي فاتخذُوا فيهَا جندًا

كثيفًا؛ فذلك الجندُ خيرُ أجنادِ الأرضِ، فقالَ لهُ أبو بكرٍ: ولم ذلك يا رسولَ اللهِ؟ قال؛ لأنَّهُم في رباطٍ إلى يومِ القيامةِ» (كنز العمال) .

وخيرُ انتصارٍ يحققُهُ المسلمُ في شهرِ رمضانَ أنْ ينتصرَ على شيطانِهِ ونفسِهِ الأمارةِ بالسوءِ بحيثُ يروضُهَا ويهذبُهَا على قبولِ الخيرِ وما فيه النفعُ في العاجلِ والآجلِ، ويقلعُ عن شهواتِهِ المحرمةِ، وعاداتِهِ السيئةِ، فيكونُ مِمَن فازَ وسعدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ النَّاسَ إِنَّمَا الشَّدِيدُ مَنْ غَلَبَ نَفْسَهُ» (ابن حبان، وإسناده صحيح على شرط مسلم) .

نسألُ اللهَ أنْ يجعلَ بلدنَا مِصْرَ سخاءً رخاءً، أمنًا أمانًا، سلمًا سلامًا وسائرَ بلادِ العالمين، وأنْ يوفقَ ولاةَ أُمورِنَا لمَا فيهِ نفعُ البلادِ والعبادِ.

دعوة للعمل نفضِ النوم ترك الكسل رمضان شهر الجد الانتصارات خطبة الجمعة