الأحد 07 يونيو 2020 الموافق 15 شوال 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار
مصطفي زكي
مصطفي زكي

مصطفي زكي يكتب: بغيلي.. وصوت الناعجات

السبت 04/أبريل/2020 - 03:42 م
طباعة



* "فأوصيـــكم بالبـــغل شـــراً فإنـه
من العير في سوء الطباع قريب

وكيف يجيءُ البغلُ يوماً بحاجة
تســرّ وفيـه للحـــمار نصيـب؟!"

لم يكن لدىّ يومًا بغل.. ولم أسع أبدًا لامتلاكه،
وبما ان البغل هو البغل.. لا يمتلك عقلًا أو ضميرًا، أيًا كان ما حاولنا أن نُلحق به من ضمائر: بغلك.. بغلنا.. بغلهم.. بغلهن.. بغلهما؛ لذا أستطيع باطمئنان أن أتحدث عن "بغلي" الذي لم أره، ولو رأيته سأراه صغيرًا ـ "بغيل"، بما يناسب عقله المحدود..
قال شاعر عربي:
"وهيــج صــــوت الناعجــات عشــــية
نوائــح أمثـــال البغـــــال النـوافــــــر
يمخطــن أطــراف الأنـوف حواســــراً
يظاهـرن بالسـوءات هـدل المشـافــــر
بكى الشجو ما دون اللهى من حلوقها
ولم يبـك شجــواً مـا وراء الحــناجر".
و"النوائح المستأجَرات" هن اللواتي ينتحلن الحزن وهن خليات بال.
فـ "بغيلي" النائح المستأجر المخلّط لا يعي ما يفعل.. قدماه الخلفيتان اللتان تحرمانه القدرة على إبصار من يستهدفه بركلة طائشة.. سلاحه الأوحد.. يواجه بمؤخرته ـ إن تجرأ.. فكيف ـ إذن ـ يكون حوار المؤخرات؟!!
كان أهالي الفرات حينما يريدون قدح السمين عديم العقل الذي لا يفكر إلا بنهم الأكل يقولون عليه انه "مبغل".
و"بغيلي" هجين ناتج عن تزاوج ذكر "الحمار" وأنثى الحصان.. يُشبه الحصان ـ شكلًا ـ في قليل من السمات، ويُشبه الحمار في حجم رأسه وسمكه، وحوافره الصغيرة التي تعينه فقط على تحمل السير الطويل في الاتجاه الذي يوجهه إليه صاحبه.. كما يشبهه في أذنيه الطويلتين.
و"بغيلي" عقيم لا يستطيع التكاثر.. غير معروف تاريخ بدء تهجينه، يتم تهجينه عمداً لأغراض معينة لا توكل لغير حيوان غبي؛ لذا ينبغي قص حافره بين حين وآخر.. تنتابه حالة هياج عند قص حوافره سرعان ما تنتهي في حالتين.. تركه وتجاهله.. أو إحكام السيطرة عليه.. ويطلق عليه "أبو قموص"، وصوته يسمى "السحال". و"السّحيل"، رغم كونه لا يستطيع أبدا أن يكون ساحلًا.. فهو دائمًا "مسحول"!!
"قيل لـ" بغيلي": من أبوك؟ قال الفرس خالي!"..  وهو مثل عربي، يضرب للمخلط أو لمن يفخر بشيء لغيره.. فـ "بغيلي" لا يعرف تاريخه.. وتاريخ أبويه.. فأي خذلان ـ إذن ـ لو أدرك تاريخ مروضيهم.
قال أبو دلامة الشاعر العباسي:
"رأيت عيوبها كثرت وغالت
ولو أفنـيت مجتهداً مقالي"

مباركٌ "بغيلي" على كل السائرين في ركابه، وكل متطي ظهره.
*******
* قد تبدو السطور السابقة منفصلة عن سياق لاحقتها.. ربما.. لكني رأيت السياق يحتمل الضدين..
لم يدهشني ما سمعت عن تعامل بعض بلدان الخليج العربي، خاصةً الأشقاء الكويتين، مع المصريين المقيمين بينهم خلال تلك الفترة الحرجة في التاريخ الإنساني.. تلك الفترة التي تشهد مواقف ـ إيجابًا وسلبًا ـ لو قدّر للجنس البشري تجاوزها بإذنه تعالى.. ستظل عالقة في القلوب قبل الأذهان.
مثال ونموذج في التعامل الإنساني الراقي بين الأشقاء ليس غريبًا على قاطني أقصى الشرق من وطننا العربي الذين يرون في مصر الوطن الثاني والملاذ الآمن ذي الوجوه الباشة المرحبة دائمًا.. في الأزمات.. قبل الأفراح..
لم يكتف الكويتيون ـ معظمهم ـ باحتضان أشقائهم المصريين فقط، بل امتدت المشاعر الإنسانية إلى معاملتهم معاملة أصحاب الأرض.. وربما تفضيلهم ان استدعى الأمر في لفتات ترصد وتؤرخ لطباع أصيلة.. هي طباع العرب.. كل العرب.. أو هكذا يجب أن تكون..
اهتمام بالغ ورعاية كاملة لا تعترف بالحدود الجغرافية خفّضا من حدة الشعور بالغربة.. الذي كاد يتحول لاغتراب في ظروف عالمية قاسية.. لولا ما وجدوه ـ المصريون العاملون بعقود رسمية ـ من حنوٍ بالغ الأثر في قلوبهم، وقلوب ذويهم الذين هدّأ ما سمعوه عن ذلك التعامل الأخوي الراقي من روعهم وقلقهم على أبنائهم البعيدين عنهم في وقت أحوج ما يكونون إليهم خلاله إلى جوارهم.. وهو ما أرسى قدرًا عظيمًا من الطمأنينة في نفوس المقيمين على أرض الكويت بعد أن حاولوا مرارًا العودة إلى وطنهم، وطُلب منهم الصبر إلى حين انتهاء الأزمة ـ ونتمناه قريبًا ـ وهو ما يحسب في رأيي للقيادتين السياسيتين في البلدين الشقيقين.
ولم يبتعد ذلك الموقف الشعبي الراقي عن الموقف الرسمي، حيث أطلقت وزارة التضامن الاجتماعي بدولة الكويت، بالتعاون مع جمعية السلام للأعمال الإنسانية مبادرة طيبة تحت عنوان "فزعة (هبة) الكويت"؛ بهدف مساعدة العمالة المتضررة في الدولة الشقيقة.. طلبت خلالها من حراس المباني السكنية موافاتهم بأسماء العمالة التي تعمل باليومية؛ لتقديم السلات الصحية والغذائية والمساعدات الطارئة في الأوضاع الحالية، وهي مبادرة أعتقد أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة ممن يدركون معنى الأخوة، ويقدرون قيمة الإنسانية في وقت الأزمات.
تحية واجبة من قلب مصر.. لشعب الكويت وقياداته، بعيدًا عن ثلة لا يسيئون سوى لأنفسهم "ينعقون" خارج السرب، كاشفين عن أحقاد وأمراض أشد فتكًا، من ذلك الوباء الذي سيمر.. أيا كان عدد ضحاياه.. قريبًا أو بعيدًا.. وستبقى المواقف فقط.. تحكي تاريخ الشعوب.. والأفراد أيضًا.. ولكل ما استحقه.
ads
ads
ads
ads
ads
ads