الجمعة 03 يوليه 2020 الموافق 12 ذو القعدة 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار
مدحت شنن
مدحت شنن

مدحت شنن يكتب:عودة مصاصي الدماء

الجمعة 20/مارس/2020 - 07:00 م
طباعة






في أوقات الأزمات تنكشف الأستار, وتظهر الخبايا, وتبدو الوجوه على حقيقتها, ويطفو على السطح, مسوخ من البشر اختل توازنهم بعد أن التبسهم جن الأطماع المسعورة, فأتقنوا التكسب في تلك الأوقات الحرجة, وكلما انقضت أزمة, بحثوا عن أخرى - وربما افتعلوها - لينعشوا بها جيوبهم, دون اكتراث بأية ظروف.

وشتاؤنا المفزع كان مسرحًا لرواية مفجعة بطلها الطمع والاستغلال, حين ضرب العالم فيروس كرونا, وحول الجنس البشري إلى ديناصورات جديدة مهددة بالانقراض, وصار جائحة تعدت الحدود في تسارع مرعب, فحصدت الأروح دون تمييز, حتى حلت بوطننا الغالي, وازدادت الأزمة سوء بعد أن تكدر الواقع بالفزع وصار شبح الموت يشق الظلام, وانتشرت أخلاق الأزمات بين الناس, فأصابتهم بالتوتر والقلق على كل شيء, حياتهم وذويهم حتى مأكلهم, لدرجة شعروا معها بأنهم سيفقدون الخبز أو أن هناك من سيخطفه من بين أيديهم, فهرولوا إلى محلات الأطعمة ليجمعوا خزين الأزمة, كالنمل الذي يجمع طعامه ويخزنه في جحره ليكفيه طوال الشتاء, ووقفوا في طوابير فوضوية يملؤون الصيدليات ليحصلوا على كميات من المطهرات والعقاقير التي تحجب عنهم هذا الشبح الفتاك, ومن رحم هذه الممارسات ظهر جيل جديد من مصاصي الدماء, أرضع الطمع عروقهم, وصارت ناره لا تخبو بداخلهم, حين أداروا الأزمة ليضاعفوا ثرواتهم, فظهر البقال الذي رفع أسعار السلع, والجزار الذي ضاعف سعر اللحوم, والصيدلي الذي باع الوهم – بأسعار باهظة - في زجاجات صغيرة بعد أن وضع عليها ملصق (مطهر إيثيلي 70%), مستغلا جهل الناس وخوفهم من الموت, فتوسعت الأزمة وصارت شاخصة كجوف قبر فتح فاه ليبتلع الجميع.

تلك الممارسات الوقحة كشفت جسد الواقع الأليم, وعكست حقائق مخزية, تشي بما صرنا إليه من إفلاس أخلاقي وانعدام للضمير وجهل بالمسئولية, فالعالم كله يتكاتف وقت الأزمة ليتمكن من تخطيها, وبيننا من يعمقها ويؤججها, على حساب أناس أذاب الفقر إرادتهم, المرض يحدق بهم والعدوى تتعقبهم والحاجة تسد طريقهم.

إن هذا الجيل الجديد من مصاصي الدماء, هو عين القُبح الرخيص, لو قرر دراكولا التجسد فلن يسعفه خياله بصورة أفضل من صورهم, نفوسهم تمضغ طمعها وتجتره, وتحوله إلى استغلال مذموم لظروف الناس وحوجهم, مثلهم كالأعمى الذي تعطيه عينيك فيطالبك بالحاجبين, وهكذا طمعهم حاضر وسعارهم لا ينتهي كخفافيش تتغذى على الدم.

إن الحياة لا تنصت لمنطق الاستغلال, وإن بدا غير ذلك, فهو حال زائل, سيحرقه نور الغد, حين تزول الغمة, ويتبدد الهم, ولا يبقى إلا العمل الدال على شخص فاعله, فإما أن نهبه في ذاكرتنا أكرم ركن, أو نرميه في صفائح القمامة الصدئة غير مأسوف عليه.



إننا نحتاج حزم الدولة التي ترشد هؤلاء وتعصمهم من مفاسد الشهوات, ومهالك الجرائم, أو تضربهم بيد من حديد ليكونوا عبرة لغيرهم, فالواقع لا يحتمل إلا قلوبًا يقظة, تنبض رحمة, مفطورة على الإحساس, قادرة على الوعي وتقدير المسئولية, تسعى جاهدة لمساعدة الناس وتقف خلف الدولة في مسعاها نحو التصدي للكارثة.

إن الرحمة التي تنعقد بين البشر هي النبع الذي يتدفق منه الخير, ليسحق الأزمة, ويحتضن الجميع ويعانق الحياة.

بعون الله ستمر الأزمة كأيام الحُمَّى التي تسبق الشفاء, وسنطرق باب المجهول بقلوب مؤمنة, على يقين بأن الأمل المرموق في تخطي الأزمة قد بات قريب المنال.

سنلفظ من تاجر بهمومنا, واستغل حوجنا, واستمرأ استنزافنا, غير أننا مازلنا ننشد الرحمة في بعضهم فندعوهم لأن ينفضوا عن قلوبهم صفحة الضباب البارد القاتم, لتستقبل شعاعًا دافئًا بالخير منعشًا بالتكاتف والمسئولية, فالطمع فقر حاضر, والعبد حر إذا قنع, والحر عبد إذا طمع .. فطوبى للأحرار
ads
ads
ads
ads
ads
ads