الأربعاء 01 أبريل 2020 الموافق 08 شعبان 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار
دينا محسن
دينا محسن

مدى تأثير القوى الثقافية فى السياسة المحلية !

السبت 22/فبراير/2020 - 12:48 م
طباعة

 

لا يخفى عن أحد حقيقة أن الأديب المصرى العالمى "نجيب محفوظ", من أكثر عباقرة الأدب المصرى حديثاً عن الثقافة الشعبية وعلاقتها بالظروف المجتمعية والسياسية, وأيضاً نجد أدباءً وتنويريين جدد أثروا الإدراك الفكرى لدينا, بشرح طبيعة العلاقة التى تجمع كل من الأنظمة السياسية بالثقافة الشعبية (مُشتمِلة العرق والدين والطبقية والانتماء الجغرافى والأيدولوجى), مثل كل من الكاتب والأديب (إبراهيم عبد المجيد، يحيى مختار، يسرى عبد الله، أحمد الفيتورى، شريف عارف، رامى عطا، محمد عبد الله).

 

وتتطور الثقافة الشعبية للمصريين وتتباين على مدار التاريخ, وفقاً لمجريات الأحداث الكبرى بين الحروب والثورات والأزمات, لكنها فى الأساس راسخة التكوين, لكن يبدو أن السياسة تلعب دوراً فى إعادة هندسة النظم الاجتماعية عن طريق آليات عديدة, وذلك بدوره يؤدى لتغيير البنية الثقافية الشعبية الشعبوية لدى المصريين, فهل تلك العملية تؤثر على صورة الأنظمة السياسية لدى الرأى العام وفقاً لمحددات ثقافته الكلية والجزئية؟!

 

على عكس الثقافة الشعبية التى تعتبر هى ثقافة الشعب, والتى كتب عن أبرزها فى أعماله الأدبية‪ نجيب محفوظ, نجد تتطور ملحوظ فى هذا الصدد فعلى سبيل المثال القاهرة التى بناها الفاطميون كانت حكراً على الأمراء فى هذا العصر والجامع الأزهر فقط لا غير, ولم يكن مسموحا للعامة بدخول القاهرة حيث كانت حصناً للدولة المصرية وبنيت حولها الأسوار والقلاع وكانت تحوى قصور الأمراء، مما خلق فجوة بين النظام السياسى الحاكم حينها وبين قطاعات عديدة من العامة, وخلق صورة ذهنية سلبية عن ذلك النظام لديهم, أما حكام مصر من المماليك فكانوا يأخذون صكوك الحكم من الشعب من خلال بناء مسجد جديد فى مدينة القاهرة، وهو ما ساهم فى ازدهار فن العمارة والإنشاءات فى القاهرة, لكنه أساء لصورة ذلك النظام لدى العوام, خاصة من الفقراء والبسطاء.

 

وقد أفرزت التطورات السياسية السريعة والمتلاحقة التى شهدها العالم بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية, العديد من المفارقات والمتناقضات, ومرت بمصر بتغيير كلى وشامل للنظام السياسى الحاكم, حيث تحول من نظام ملكى يحكم فيه الأمراء والنخبة إلى نظام جمهورى شعبوى, يحكم فيه طبقات الشعب كافة, وبالتالى تغيرت سريعاً صورة النظام السياسى فى الثقافة الشعبية المصرية, وظهر ذلك من خلال الأمثال الشعبية والكتب والروايات الأدبية والأفلام السينمائية, حيث تبدو السينما المصرية في بعض الأحيان مثقلة بالتوقعات المتعلقة بوجوب إبراز البلاد في صورة ما محددة معينة مُقولبة، أو أن تُظهر للمصريين أنفسهم ما يجب أن يطمحوا لتحقيقه, وهذا فى بعض الأحيان يُقابله تنافر معرفى, وتناقض يؤدى لاصطدام مباشر وغير مباشر.

وكان " جمال عبد الناصر عندما سُئل بعد قيام ثورة 1952 م، عن المفكرين الذين أسهموا فى تكوين أفكاره ذكر رواية «عودة الروح» لتوفيق الحكيم ونجد جمال حماد (كاتب بيان ثورة يوليو) صاحب قلم متميز وترك وراءه مؤلفات وله فيلم قوى وشهير وهو فيلم «غروب وشروق»، كما كان "السادات" محباً للثقافة والفكر, حتى إنه حين فصل من الجيش قبل الثورة كان يعمل بالصحافة، وحين أصدر عبدالناصر جريدة الجمهورية كان هو المدير المسؤول عنها كما ترك وراءه كتابين منهما «البحث عن الذات».

 

أما يوسف صديق فكان شاعراً مجيداً، وثروت عكاشة كان وزير الثقافة الأشهر فى العهد الناصرى وله مؤلفات منها ترجمات لأعمال جبران خليل جبران، فضلا عن كتبه عن عصور النهضة فى أوروبا فى موسوعته الشهيرة «العين تسمع والأذن ترى» وسامى شرف كان أيضا صاحب قلم متميز وله كتاب مهم وشهير وهو «أيام وسنوات مع عبدالناصر».

 

وكان أحمد حمروش، الذى تولى بعد الثورة شأن الفنون والمسرح، أصدر كتابين قبل الثورة أولهما «حرب العصابات» الذى أهداه إلى المناضلين فى أوطانهم عام 1947، و«خواطر» عن الحرب وأهداه الى زملائه تحت تراب فلسطين غير كتبه الكثيرة التى أصدرها طوال حياته ومنها ما أرخ لثورة يوليو.

 

أما عن السنوات الماضية الأخيرة فى القرن الحادى والعشرين وحتى يومنا هذا, نجد أن هناك اختلافًا أيديولوجيًا فى وجهات نظر العديد من الشرائح المجتمعية, حول الأنظمة السياسية العربية بشكل عام والأنظمة السياسية المصرية بشكل خاص, ما أدى لتباين واضح بين شرائح الرأى العام المصرى , وأفرزت بعض الدراسات والبحوث العلمية مؤخراً أن الثقافة الشعبية لدى العديد من شرائح الجمهور قد تغيّرت ما أدى لخلخلة فى الإطار الثقافة الشعبي, وبدوره كسّر الإطار الشامل والشمولى للصورة النطية الموحدة للنظام السياسى, مما يُنبأ بضرورة دراسة تلك المسألة بعمق وبالتحديد التركيز على دراسات مستقبلية تجمع كل من علماء وباحثين فى علم الاجتماع والسياسة والتاريخ والإعلام, لنتمكن من استشراف رؤية مدى تغيّر الثقافة والموروث الشعبى لدى المصريين, وتداعيات ذلك الأمر على تغيّر الصورة الذهنية والإعلامية للأنظمة السياسية الحالية والقادمة لديهم.

ads
ads
ads
ads
ads