الأربعاء 18 سبتمبر 2019 الموافق 19 محرم 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار

صديقي

الجمعة 06/سبتمبر/2019 - 11:49 م
يونس أبو سبع
يونس أبو سبع
طباعة
شعر: يونس أبوسبع

شردتَ كثيرًا
تأخَّرْتَ
لكنَّكَ الآنَ حيٌّ
لِنشهَدْ إذَنْ هَوَّةً
لا مُقاوِمَةً للحُروبِ
ولا هيَ رَغبتُنا في الهُروبِ
ولكنَّها تلكَ حاجَتُنَا العبقريَّةُ
للحِكمَةِ العابِثَةْ!
فلا تنتَظرْ أن أقولَ "كلامًا عميقًا"
فتُومِضَ تلكَ السِّياطُ على حِسِّكَ المُلتَهِبْ
ولكنَّهُ تَعَبٌ مُنتَخَبْ
فأحداقُنا من تُرابٍ ونارٍ
وأوقاتُنا من ذَهَبْ
وأصواتُنا من هَوَاءٍ ومَاءٍ
وصُورَتُنا هيَ صُورتُنا
لا مرايا الكَذِبْ

لنا المُطفَؤونْ
لنا الضوءُ والصوتُ
والحُبُّ فَرضِيَّةٌ بيننَا لا نِهائيَّةٌ
كامتثالٍ إلى الرُّوحِ
أو كاشتعالٍ مع الرِّيحِ
في وسعِنَا الآنَ كلُّ احتمالٍ
وأنْ نَشربَ البحرَ/ تَشربَنَا اللغةُ
الآنَ في وسعِنا أنْ نُضيءَ
وفي وسعِنا أنْ نُغنِّي
وأنْ نَتَحَسَّسَ
في القُبَلِ النَّاعِساتِ
على الظِلِّ وَقعًا لإيقاعِنا
أنْ نُعيدَ الحياةَ الجميلةَ سِيرَتَهَا دونَنا
أنْ نَعِي قبلَ أن نَشتَهي واقِعًا مُستعادًا
يُعَرِّفُ أقدارَنا ويُؤجِّلُ أحضانَنا ..
أملًا غجريًّا ومُنشَغِلًا عن فَصَاحَتِنا
عن حياةٍ تدُلُّ علينا وتُشبِعُ نظرَتَها من رُؤانا
وعن قُوتِ أشجارِنا وخَيَالاتِنا
وانتِفاضِ خُطانا بأرصِفَةٍ تحتَوِينا وتمنحنا مُحتوانا
فقُلْ إنَّهُ الوقتُ مارٌّ
ومُنشَغِلٌ بسقوطِ الحوائجِ عنّا
وبالحُكمِ بينَ نَقيضينِ
من شَرَكٍ واحِدٍعَنهُ شَبَّتْ يدانا
وكُنَّا يدًا تقبضُ المُستحيلَ وتَبسطُهُ في مَهَبِّ العناقِ
فقُلْ إنَّهُ الوقتُ مُتَّشِحٌ بالفِراقِ ومُستسلمٌ لخَلاصِ الطبيعةِ مِنَّا
وقُلْ إنَّهُ البَرقُ يَخطفُ أبصارَنا
وغَدٌ بينَ أعيُنِنَا احتارَ فينا
وغالَبَنا النَّومُ حتَّى سَرَى
غَدُنا كالدُّخانِ سَرَى
فالجميعُ هُنا عاطلونَ ومُنشَغِلونْ
الجميعُ ضحايا لعاصفةِ المُفتَرَى
قُلْ لمَنْ يُرهِقونَ الغِناءَ
الغِناءَ الذي لا يُباعُ ولا يُشتَرَى:
إنَّ مُنعَطَفَيْنِ لوقتٍ سريعِ الحسابِ
وناصِيَتَيْنْ لحُلْمٍ سريعِ الغيابِ
وثانِيَتَيْنِ كُنتُهُمَا صُدفةً في ثنانيا الكلامِ..
فِراقٌ ومَوتٌ عن الأغنياتِ كنِسيانِنَا أنَّنَا الآنَ نَحيا
وأنَّ الحقيقةَ رَهْنٌ لِلَحظَتِنا
لا انتِظاراتِنا وافتِعالِ مَصائرِنا
قُلْ لمَنْ يُرهِقُونَ مَشاعِلَهَم
ويحدُّونَ وجهَ الإلهِ الذي لا يُرى:
إنَّ كُلَّ جَميلٍ طليقٍ هُنا هكذا لا يُرى
إنَّ مَعنَىً نُحاولُه ها هُنا حولَنا يَرتَدينا
وإنَّ شرائِعَ مَحمِيَّةً بالضَّرُورِيِّ
ومَغشِيَّةً بالضَّرورَةِ للاضَرورَةِ..
تَنزِفُ عَدلَ هَوَانا
هباءً وذاكرةً وقطائِعَ مَوتَى
وأسئلةً وارِثَةْ

هُنَا.. الساعةُ الثالثةْ!
فلا تَتَأخَّرْ،
عن الشُّهَدَاءِ عَرَفنا شرودَ المَصيرِ
وحُريَّةَ الأغنياتِ
فلا تَتَأخَّرْ
عن الفُقَرَاءِ رَوَينا السؤالَ
فكيفَ تُدافِعُ عن حاجَةٍ لبَقَائِكَ حَيًّا
مُحِبًّا لهذي الحَياةِ
وكيفَ تُدافِعُ عن طُرُقاتٍ وأعمِدَةٍ ومَبانٍ
بحادِثَةِ الانفجارِ
وكيفَ تُدافِعُ عن حاجَةِ النُّبَلاءِ
وعن طلقَةِ الاعتذارِ
وحتَّى عن العُملَةِ المُستَبِدَّةِ في عالَمِ الكَمِّ
عن جَسَدٍ لمُصادَقَةِ الوَهْمِ والحُلْمِ
عن حِيَلٍ لمُراوَغَةِ السَّهْمِ
عن ألَمٍ يَتَمَوَّجُ في أيِّ شيءٍ سِواهُ
كمُزحَةِ ذئبٍ فريستُهُ الظِلُّ والنَّظَرَاتُ إذا بَهتَتْ فجأةً
وكضِحكَةِ صحراءَ دونَ صدًى
فإذا حَيَّرتْكَ الطريقُ إلى أعيُنِ البِنتِ
لا تَلتَفِتْ لي بعَينٍ مُهَرِّجَةٍ وتُحَدِّثْني عن الجِنسِ
كم نحنُ أبناءُ هذا الجُنونْ، ولكنَّنا مُقحَمُونْ
فَحَدِّثْ عن الوقتِ نفسَكَ في لَحظَةٍ ما
لتعرِفَ كَمْ لحظَةً سَتَكونْ
وكم سَنَةً ستُبَدِّدُ هذا السكونْ
وكم وردةً أنتَ في الساعَةِ الثالثَةْ

إذا صَوتُنا الشَّاعريُّ تَهَاوَى على البَابِ
والماءُ من أحرُفِ الحَلْقِ للهَمَساتِ
أضاعَ طرائِقَ أكثرَ مِنَّا دراميَّةًع
وثُنائِيَّةً في الحَنينْ..
فقُلْ إنَّهُ النَّهرُ
والقُبْلةُ المُتَرَوِّيَةُ اللاهِثَةْ!

إذا الشَّمسُ -شمسُ الغُروبِ-
رَأتْ لَوعةً وشَوَاطِىءَ دونَ شَوَاطِىءَ
فلْنَلْتَقِطْ صُورَةُ الشمسِ
حيثُ اللُّغاتُ ضفائِرُهَا
والنَّوارِسُ مُشرَعَةٌ دونَ صَيدٍ لأيِّ مَجَازٍ
وأمَّا الغُروبُ ارتخاءٌ ولَيلٌ
فقُلْ إنَّهُ البَحرُ حِضنٌ وقَتلٌ
وأزمنَةٌ باعِثَةْ!

هُنَا.. الآنَ.. في الغُرفَةِ الماكِثَةْ..
لِنَصمُتْ قليلًا
ودَعْ صمتَنَا المُتَفَتِّحَ فينا
يفُتْ من خُروقِ ضُحانا
دعِ الحُبَّ يطرقُ شُبَّاكَنَا بالمَوَاويلِ
والشَّمسُ دَمعَةُ رَبٍ
رأى البَيتَ مُضَّجِرًا مُفعَمًا بالسقوطِ
فأهرَقَ من صدرِهِ الكَلِماتِ الأخيراتِ
بيوتًا يُفَتِّحُها المَوجُ للغُرَبَاءِ وللسُّجَنَاءِ
وها صمتُنَا صَخَبٌ ضائِعٌ
واغترابٌ يُهيلُ اغترابًا
زلازِلُ تَرمَحُ دونَ زلازلَ تَطرَحُ
عاصفةٌ تَستَجِمُّ على شاطيءٍ لا ينامُ
عواءٌ تُشَرِّحُهُ في المدائِنِ ضَوضاؤنا والزحامُ
ومِلءُ يقينِ الكواليسِ ألفُ فَمٍ للظنونْ
ومِلءُ الصدى وترٌ دافيءٌ في حُطامِ الكمانْ
فَحَدِّثْ عن البَدءِ كُلَّ انتهاءْ
وحَدِّثْ عن الليلِ قَلبي
وعن شُعلةٍ في التقاءِ الأشعَّةِ بيضاءْ
عن ذَوَبَانِ المَكانِ بسُرعَةِ إحساسِنا بالمَكانِ
وأشياءَ إنْ تُبْدَ حتمًا تَسُؤْنا
ولكنَّها إذ عَرَفنا تَكونْ
وإذ غادَرَتْنا تَهُونْ
نَهُونْ
فقُلْ إنَّها الكُوَّةُ المُستَعارَةُ
عن هَوةٍ باحِثَةْ!

هُنَا.. الآنَ.. في الكارثَةْ..
ونَحنُ مَعًا وسِوانا
نُحاوِلُ ما سَيَكونْ
ونحنُ على حافَّةٍ من جُنونْ
كما تَضبِطُ اللُّغةَ
اضْبِطْ على الوقتِ مَوجَتَهُ الحادِثَةْ
ولا تَتَأخَّرْ..
فإمَّا نكونُ هُنا الآنَ، أو لا نكونْ!