الثلاثاء 15 أكتوبر 2019 الموافق 16 صفر 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار

سليمان باشا.. قصة جنرال فرنسى عشق مصر وأسس جيشها الحديث

الأربعاء 07/أغسطس/2019 - 08:56 م
جريدة الكلمة
عاطف عبداللطيف
طباعة
من قال إن الأماكن لا تشعر بالحنين، الأماكن مثل البشر تشعر بالوحدة والحزن وتذبل إذا تركناها بلا زوار أو أحباء، لذا نجد في الكثير من الأماكن التاريخية جزء من الحزن ليس من الإهمال فقط بل إحساس الغربة والوحدة التى أصبحت جزء من تاريخ الجدران، ولكن عند قبة "سليمان باشا الفرنساوي" بالمنيل وبالقرب من نهر النيل، الأمر مختلف فهو يتوسط شارع سكني حيوي في منطقة مصر القديمة، يحاول جيرانه جاهدون المحافظة عليه وعلى نظافة القبة بالجهود الذاتية، يعرفونه جيدًا؛ وكأنه كان يتوسطهم ذات يوم في الشرفة هناك.

جيش مصري

كان محمد علي باشا بعد أن قضى على أغلب المماليك بمذبحة القلعة في 1811، قد بدأ مشروعه لمصر الحديثة، وكان يرى أن أول دعائم الدولة القوية تأسيس جيش قوي؛ فعمد إلى تأسيس جيش على الأصول الحديثة وبدأ هذا المشروع بتصفية الجيش القديم وإعادة بناء جيش على النظام الأوروبي واستخدام الأساليب العسكرية الحديثة.

وحرص محمد علي كل الحرص التكتم على مشروعه هذا حتى لا يثير روح التذمر بين ضباط وجنود الجيش الذي لم يكن جنود رجاله من المصريين.

جوزيف سابقًا

ولد الكولونيل "أوكتاف جوزيف أنتيلمي سيف" سيف عام 1788 في مدينة ليون الفرنسية، وجاء إلى مصر بعد خدم في جيش نابليون في العديد من المعارك التي أثبت فيها قوته وشجاعته ما جعله يحصل على رتبة كولونيل.
بعد أن خرج الكولونيل "سيف" من الخدمة العسكرية بفرنسا، حاول العمل بالتجارة، لكنه وعلى مدى أربع سنوات لم يحرز نجاحًا يذكر؛ فهو لم يخلق لمثل هذه الأعمال؛ إنما ليكون قائدًا عسكريًا، وفي ليلة تذكر الكونت "دي سيجور"، فكاتبه طالبًا منه خطاب توصية للالتحاق بخدمة شاه فارس الذي أعلن عن حاجته لضباط لتدريب الجيش الفارسي، إلا أن خطاب التوصية الذي وصل إلى الكولونيل كان موجهًا إلى نائب السلطان في مصر "محمد علي" باشا، مع شرح مستفيض لمزايا الالتحاق بخدمة الباشا جعلت الكولونيل سيف يقرر وبشكل نهائي التوجه إلى الشرق.

وضع "محمد علي" الكولونيل في اختبارات للتأكد من جديته وصلابته في العمل، وكانت النتائج مرضية جدًا بالنسبة له، فكلفه بإقامة أول مدرسة حربية في أسوان، ودفع إليه بـ400 من مماليكه، وأمر كبار رجال الدولة بإرسال صفوة مماليكهم حتى اكتمل العدد ألف مملوك، استمر "سيف" الذي صار اسمه "سليمان" بعد أن أعلن إسلامه ومنح لقب أغا- في تدريبهم ثلاث سنوات عانى خلالها أشد المعاناة من صعوبة المناخ وعناد المتدربين. كما تعرّض لمحاولتي اغتيال؛ لكنه تغلب على كل ذلك بذكائه الشديد وشخصيته القاهرة وشجاعته ومروءته التي حفظت للمتآمرين حياتهم بعد قراره معالجة الأمر بنفسه وعدم إبلاغ الباشا.

بالتزامن مع ذلك رأى "محمد علي" أن يطبق ما عرف بالنظام الجديد على المصريين ممن تم إلحاقهم بالمدارس التي نشأت وعملت تحت إشراف سليمان بك كالمدرسة الحربية بـ"الخانقاة" ومدرسة الفرسان بالجيزة ومدرسة "الطوبجية" كما أنشأ في القاهرة معامل المدافع وورشاً ومصانع لسائر حاجيات الجند.

اشترك سليمان باشا الفرنساوى في حرب الشام والأناضول والمورة ولاحقًا صار الذراع الأيمن للقائد "إبراهيم باشا" ابن محمد علي ونال إعجاب الجميع حتى وصل لأعلى المناصب وترقى حتى وصل إلى منصب "رئاسة الجهادية" أي ما يعادل "وزير الحربية" وأنعم عليه محمد علي سنة 1834 بالباشوية عقب الحرب السورية الأولى، وظل يواصل مهمته حتى عصر سعيد باشا.

ولانه استقر بمصر وعشقها اندمج في المجتمع المصري أكثر وتزوجت إحدى بناته بـ"محمد شريف" باشا أبوالدستور المصري، وأنجب منها فتاة تزوجت عبدالرحيم صبري باشا "وزير الزراعة" ليثمر هذا الزواج عن المكلة نازلي ملكة مصر وزوجة الملك فؤاد الأول.

تحفة جمالية 

في منطقة مصر القديمة بالقاهرة تجد شارع "سليمان الفرنساوي"، يتوسطه قبته بطرازها المعماري المبهر كأثر فريد للعمارة العلوية في مصر.

هنا دفن "سليمان باشا" الفرنساوي بجوار حصانه كما أوصى، وبجانب توجد قبة أخرى دفن بها زوجته "مريم"، كانت أسوار القبة مصنوعة من الزهر الذي يشبه الزجاج يتهشم بمجرد أن يصطدم بشئ قوى، ولكن الآن لايوجد منه إلا الحجارة السفلى التي ترتفع عن الشارع بقليل.

يتوسط الجدران قبة بداخلها يوجد الضريح الذي يعلو "طربوش" وعلى الرخام توجد العديد من الآيات القرآنية، الضريح من الدخل مغلق ولكن نجح بعض زوار الليل من الدخول وتحطيم بعض الرخام الخاص بالضريح.

الدخول إلى القبة يكون عبر المدرج الرخامي، تتكون القبة من حجرة مثمنة من الآجر، يعلوها قبة من الحديد المشغول المزخرف بالورود، ويحيط بها شرفة أخرى مطعمة بأشكال نباتية مفرغة؛ وكانت صناعة السور بهذه الطريقة أسلوبًا فنيًا حديثًا يحتاج إلى تقنية خاصة ظهرت في أوروبا وقتها، ولذلك فالأمثلة عليه في مصر نادرة، وتعتبر هذه القبة والشرفة، إضافةً إلى الحديد المشغول المتبقي في بعض أروقة قصر الجزيرة "فندق ماريوت الجزيرة حاليًا" هي كل ما تبقى من هذه الفترة.

شهادة للتاريخ 

يقول سليمان الفارسي عن الجيش المصري: "إن العرب- يقصد المصريين- هم خير من رأيتهم من الجنود، فهم يجمعون بين النشاط والقناعة والجلد على المتاعب مع انشراح النفس وتوطينها على احتمال صنوف الحرمان، وهم بقليل من الخبز يسيرون طوال النهار يحدوهم الشدو والغناء، ولقد رأيتهم في معركة قونية في ديسمبر ١٨٣٢ واستمرت سبع ساعات وانتهت بهزيمة ساحقة للعثمانيين- يبقون ساعات متوالية في خط النار محتفظين بشجاعة ورباطة جأش تدعوان إلى الإعجاب دون أن تختل صفوفهم أو يسري إليهم الملل أو يبدو منهم تقصير".

وتقديرًا من المصريين لهذا الرجل الذي يرجع إليه الفضل في بناء الجيش المصري الحديث أقاموا له تمثالًا في الميدان المسمى باسمه "ميدان سليمان باشا"، وأطلقوا اسمه على أحد شوارع القاهرة، لكن بعد قيام ثورة 23 يوليه 1952 تم الإطاحة بالتمثال، وإيداعه في ساحة المتحف الحربي، وأقيم بدلًا منه تمثال لطلعت حرب، لكن حتى الآن لا يزال بعض المصريين، خصوصًا المخضرمين منهم، يطلقون عليه ميدان سليمان باشا.

ads