الأحد 21 يوليه 2019 الموافق 18 ذو القعدة 1440
العدد الورقي مجلة طلع النهار
دينا محسن
دينا محسن

قفزات منظمة الإيباك وروافدها فى الهواء العربىّ الساكن لإخضاعه

الإثنين 17/يونيو/2019 - 10:54 ص
طباعة

عمليات سياسية مخابراتية جراحية دقيقة بآلات حادة لإقناعه

المناخ مهيئ تماماً الآن ومنذ فترة طويلة لميلاد فرص متجددة وخلق علاقات متداخلة أكثر تشعّباً ، لكن الحل يكمن فى الترويض وتطويق الجميع وفق آلية وهمية تُسمّى الاحتواء والاحتضان والمصالح المشتركة

أمن الكيان الصهيونى مقابل أمن الخليج والإقليم ، ربما تلك هى الصفقة ! ولكن هل هى وفق التعريف الاصطلاحى مساومة أم صفقة؟!

كان عام ٢٠٠٦ م عاماً مفصلياً فى خريطة عملها واستراتيجية توجهها وآليات تطبيق أهدافها المزعومة ، منظمة الإيباك الصهيوأمريكية يعتبرها البعض أقوى من أى لوبى قد تشّكل داخل أمريكا ولها روافدها الصهيونية فى مفاصل العالم بأسرِه ، وتلك المنظمة بالتعاون مع عناصر مخابراتية بريطانية وأمريكية وكبار رجال الأعمال اليهود والعرب لديها القدرة على الولوج والنفاذ لإحكام السيطرة على القرارات السياسية التى تحكم منطقة الخليج العربى ، بل ورسم مساراته .

تستطيع الضغط بشكل مباشر وغير مباشر على أنظمة سياسية عديدة خاصة الولايات المتحدة الأمريكية ، وأيضاً العديد من الأنظمة السياسية فى المنطقة العربية بالتحديد منطقة الخليج العربى ، وذلك من خلال أدواتها السياسية والعسكرية والمخابراتية والجاسوسية ، بالإضافة إلى أدواتها الإعلامية التقليدية وغير التقليدية (الكيانات البريطانية والأمريكية والخليجية الضخمة) والمحتوى الرقمى المضاد داخل المنصات الإليكترونية المتزايدة والمتشعبة ، وأيضاً الإنتاج السينمائى الضخم بالتحديد المدرسة الهوليودية وبعض المنتجين العرب .

تعتبر المنطقة الرمادية وفق الاصطلاح السياسى هى منطقة خطيرة ، منطقة الاستنزاف ، منطقة اللاسلم واللاحرب وهو ما تريده المنظمة ، أن تحصل الولايات المتحدة الأمريكية على أكبر نفع مادى واستراتيجى ممكن من مناطق النفوذ فى الإقليم العربى مقابل صك الحماية ، الحماية ممن ؟! من الشبح الذى اختلقته بريطانيا قديماً وظلّت الأبواق الإعلامية الأمريكية والصهيونية تُضخّم في صورته وهيئته ، حتى تحوّل الصراع من صراع عربى صهيونى غربى إلى صراع سنّى شيعى عربى فارسى !

يأتى هذا تِباعاً بالتوازى مع الضغط على النظام السياسى الإيرانى على الجانب الآخر لفتح مجال التفاوض فى موضوعات أخرى ، ربما لا تتعلق أساساً بأمن الخليج ولكن تتعلق بالمسارات الاقتصادية المستقبلية فى قارة آسيا ، وتأثير النفوذ المالى على السياسى .

صفقة القرن هى سويداء القلب بالنسبة للمنظمة وكل تلك الترتيبات لم تكن صدفة بل توقيتها مدروس بعناية ، وذلك حتى يتم تمهيد الساحة لدخول معترك المساومة وانتقال مرحلة التفاوض من الخاص (الخليج) إلى العام (الشرق الأوسط) .

بالنظرِ إلى الوراء والعودة سريعاً لتاريخ الفكر المخابراتى السياسى داخل أروقة النظام الصهيوأمريكى ، بالتحديد تشريح وتفكيك " العملية سيكلون " نجد أن " بريجنسكى " الذى كان بمثابة مهندس العملية ، قام بتحليل العقلية العربية الخليجية تحليلاً عميقاً وبالفعل استطاع أن يحصل على كل ما أراده وتمت العملية بموافقة جماعية عربية دون إبداء أى اعتراض ، وكانت حينها أداة الضغط المباشر " شبح النظام الإيرانى " .

كان غزو العراق هى محطة الإنزال الثالثة لخطة تفكيك الإقليم بعد مرحلتى الاعتراف بالكيان الصهيونى جزء من المنطقة العربية ١٩٤٨ م ، وغزو أفغانستان الجهادى ١٩٨٨ م ، ثم غزو العراق وتفكيكه عرقياً ومذهبياً وطائفياً ٢٠٠٣م.

 يعتبر المستفيد الأول وفق الاحصاءات والتحليلات السياسية والعسكرية هو الكيان الصهيونى الذى تخلص من أقوى الجيوش العربية المناهضة له وأصبح هناك بديل لمفهوم الاحتلال والاستيطان الصهيونى وهو الإسلاموفوبيا والإرهاب العربى الإسلامى ، ثم النظام الإيرانى الذى أعطته الولايات المتحدة الأمريكية فرصه ذهبية للتمدد جغرافياً وسياسياً وثقافياً وعقائدياً داخل أرض خصمه اللدود سابقاً وصديقه الصدوق حالياً ، ليبقى السؤال المهم حقيقةً وهو ما النفع الذى عاد على الدول العربية التى شاركت بشكل مباشر أو غير مباشر فى هذا الغزو وماذا استفادت ؟ الإجابة لا شئ ، لا شئ على وجه الاطلاق ، بل العكس .

لقد تضررت الدول العربية من تنامى فوبيا العرب تجاه التنظيمات الإسلامية وتمركزها فى الإقليم ، ومن التمدد الإيرانى فى كل من العراق ومن ثم سوريا ، لذا لم تعِ الدول الخليجية الدرس الذى مرّت به فى محاولة التخلص من نظام صدام حسين السياسى ، فحاولت مرة أخرى التخلص من نظام بشار الأسد السياسى ، فانقلبت الطاولة وأصبح الرابح الأكبر فى معركة سوريا ليس النظام العربى الخليجى بل النظام الإيرانى الذى استطاع نقل ميليشيات عسكرية تابعة له إلى الأراضى السورية لأول مرة فى التاريخ بهذا الكم والشكل للدرجة التى جعلته يفكر جدياً فى إنشاء قاعدة عسكرية هناك ، أيضاً النظام الصهيونى الذى استباح الجولان رسمياً باعتراف أمريكى مُسبق ، بالإضافة إلى النظام التركى الذى لم يكن يحلُم فى يوم من الأيام أن تتجول أبواقه العسكرية داخل الأراضى السورية بحرّية وأريحية مطلقة كما هى اليوم .

لم يمارس النظام الإيرانى الحالى عمل عسكرى مباشر ضد دول الخليج ولكنه مارس أعمال عدائية وربما إرهابية هدفها التحرش السياسى وليس العسكرى ، نجد فى المقابل محاولة النظام السياسى التركى والنظام السياسى القطرى بمحاولات عديدة عدائية وإرهابية ضد الدولة المصرية كان هدفها أيضاً التحرش السياسى ، لكن تعامل الإدارة السياسية فى مصر اختلف تماماً شكلاً وموضوعاً تجاه تلك الأزمة واستطاع أن يحتويها من خلال السبل الأمنية المخابراتية والعمليات النفسية والمسارات السياسية الدولية والإقليمية .

لذا على تلك الدول ألا تنساق وراء عظمة تُرمى لها من أيدى من تعتقدهم حلفاء غربيين وهم أول عدو وأكبر عدو حقيقى لهم ، وألّا تجعل الغضب يُربك حسابتها وقرارتها وتنساق وراء انفعالاتها ، وعليها بأن تمتلك أدوات مخابراتية وإعلامية ودبلوماسية قوية قادرة على التمويه والاختراق ، دون الاستسهال واللجوء لآخر خيار وهو الخيار العسكرى قبل الخيارات المبدئية والأولية .

لماذا ينصح البعض بعدم اللجوء إلى الخيار العسكرى ؟ ليس لأن النظام الإيرانى نظام قوى عسكرياً ، هذا فقط ما يتم الترويج له إعلامياً وفق استراتيجية صناعة العدو وتضخيم الشبح ، لكن القوة العسكرية الإيرانية عادية تماماً ولم تستطع الصمود أمام القوة العسكرية العراقية سوى بالدعم الأمريكى والصهيونى لها .

على الجانب الآخر الدول الخليجية ربما تمتلك القوة العسكرية لكنها لا تملك خبرة إدارة الحروب عسكرياً وهى النقطة التى يعلمها النظام السياسى الإيرانى جيداً ، وبات ذلك واضحاً فى نتائج الحرب الحوثية السعودية .

لذا نجد أن استنجاد الخليج بالولايات المتحدة للقدوم إلى الخليج العربى والبقاء فيه كان لسببين أولهما ضمان الحماية ثانيهما استعراض قوى الخليج أمام النظام الإيرانى ، فى حين أن الولايات المتحدة لن تقتل وليدها الإيرانى الذى جنت من ورائه أموال وصفقات سلاح وبناء قواعد عسكرية وبسط نفوذ كبير فى منطقة الخليج العربى .

الدول الخليجية لديها رغبة شرهة للحرب لكنها لا تقوى عليها وتريد أن يصبح درعها هو الولايات المتحدة الأمريكية ، على أن تقوم الأولى بتحمل نفقات تلك الحرب مادياً بشكلٍ كامل .

هناك دول تتغذى على النفايات الاستراتيجية ودول تأكل فى صحون الأخطاء الدبلوماسية والسياسية ،

اندلاع حرب إقليمية دينية سنيّة شيعية يعنى ارتكاب مزيد من الأخطاء الاستراتيجية التى يتغذى عليها المنتفعون .

وبناء عليه بدلاً من الحرب العسكرية لابد وأن تسعى الدول الخليجية إلى وضع استراتيجية دبلوماسية وأمنية ومخابراتية وإعلامية بالتنسيق مع الدول العربية المجاورة وعلى رأسها الدولة المصرية ، لسد الفراغ العبثى الذى يتحرك فيه كل من النظام السياسى الإيرانى والتركى والقطرى ، والذى يصب بالتبعية فى مصلحة الكيان الصهيونى .

بدلاً من تحويل بوصلة العراك العربى الصهيونى إلى عربى فارسى أو عربى تركى أو عربى عربى ، يجب وأن تبقى عيوننا ساهرة صوب كيفية تنفيذ مشروع عربى اقتصادى سياسى أمنى ثقافى تنويرى يصبح هو حامى الحمى والرادع الأقوى فى المنطقة العربية والإقليم بأكمله .

ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads