الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 الموافق 18 محرم 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار

«زهران»يوجه رسالة إلى«الرئيس»:برنامج إصلاح التعليم ورطة للدولة لهذه الأسباب..

السبت 01/يونيو/2019 - 09:32 ص
جريدة الكلمة
سامح النقيب
طباعة

معروف أن المنح من الدول والمنظمات الدولية تكون مشروطة، وهذا حق الدول والمنظمات المانحة، فطالما وافقت الدولة على المنحة فيجب عليها أن تنفذ شروطها، وفي الغالب أن المنح لتحقيق أغراض وأهداف للمنظمات المانحة، فهي منح لا ترد، ولم نسمع في تاريخ المنح أن دولة ارتقت بالتعليم أو الصحة أو الاقتصاد من خلال المنح، ولكن دائماً المنح تعطيها الدول وتشترط صرفها في التدريبات، أو نشر ثقافة أو فكر معين.

لكن عندما يكون الأمر متعلق بقرض، فالدولة المقترضة هي صاحبة التصرف في القرض، وتقوم الدول بصرف القرض بما يخدم مشاريعها وخططها وأهدافها القومية، ولا يحق للمقترض أن يحدد أوجه صرف القرض، طالما تم الاتفاق على آلية دفع القرض وفوائده والفترة الزمنية، وعلى الجانب المقترض أن يحصل على الضمانات التي يراها كفيلة بحماية وحفظ أمواله.

لكن ما حدث في قرض البنك الدولي للإنشاء والتعمير أمر في غاية الغرابة والريبة، فالبنك الدولي أقرض الدولة: 500 مليون دولار بفوائد على مدار خمس سنوات لإصلاح التعليم، ولم تكن عندنا خطة مسبقة لهذا البرنامج، الأعجب أن البنك الدولي المُقرض تدخل في خطة إصلاح التعليم واشترط أن تدفع الدولة مليار ونصف دولار لتمويل هذا المشروع!، يعني البنك الدولي دفع نصف مليار قرض ووضع برنامج إصلاح يحتاج مليار ونصف مليار دولار إضافي، بالإضافة إلى أن النصف مليار دولار قرض وليس منحة!؛ أي أن الدولة المصرية ستسدد القرض بفوائده، فلماذا يتدخل البنك الدولي في تحديد برنامج الإصلاح، ولماذا يتدخل في وضع بنود الصرف؟!.

الأهم من ذلك أن تكلفة المشروع وهي: 2 مليار دولار بواقع 36 مليار جنيه مصري، لن يتم الصرف منها على إنشاء مدارس، مع أن أي مشروع تطوير للتعليم المصري يجب أن يبدأ بخفض كثافات الفصول فهي الأعلى عالمياً، بل حصل الوزير على سلفة من ميزانية هيئة الأبنية التعليمية تُقدر بـ 2 مليار جنيه، ولن يتم الصرف على رفع مرتبات المعلمين؛ فهم حجر الزاوية في العملية التعليمية والعنصر الرئيسي في منظومة التعليم، ولن يحصل المعلمون على مكافآت ولا حوافز إضافية من هذا المبلغ المرصود لتطوير التعليم.

وبالعودة للمكونات الخمسة في اتفاقية البنك الدولي، تجدها جميعاً لن تخدم العملية التعليمة ولن تتم من ورائها عملية تطوير، وحسناً فعل البنك الدولي حيث أطلق عليه مشروع إصلاح التعليم وليس تطويره، فما يحدث هي عملية ترقيع وليس تطويراً للتعليم، مكونات مشروع إصلاح التعليم:

1– المكون الأول: تطوير التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة (رياض الأطفال) بتكلفة 500 مليون دولار – البنك الدولي : 100 مليون دولار – والدولة المصرية  400 مليون دولار .

2– المكون الثاني : الارتقاء بفاعلية المعلمين والقيادات التربوية ( تدريبات المعلمين والقيادات ) بتكلفة البرنامج 250 مليون دولار – البنك الدولي 100 مليون دولار – والدولة المصرية 150 مليون دولار .

3– المكون الثالث: إصلاح نظام التقييم الشامل بتكلفة330 مليون دولار – البنك الدولي120 مليون دولار – والدولة المصرية210 مليون دولار .

4 – المكون الرابع : أنظمة التعليم القائمة على الربط الشبكي بتكلفة 900 مليون دولار – البنك الدولي160 مليون دولار – والدولة المصرية – 720 مليون دولار.

5–  المكون الخامس : إدارة المشروع بتكلفة20 مليون دولار - البنك الدولي20 مليون دولار – والدولة المصرية.

1–  وعلى الرغم من أن المكون الأول ( تطوير التعليم في رياض الأطفال ) سيكلف الدولة 500 مليون دولار بواقع9 مليار جنيه مصري؛ إلا أنه يستحيل تنفيذه على أرض الواقع للأسباب الآتية:

عجز: 70 ألف فصل في رياض الأطفال لتطبيق المنظومة

منظومة التطوير الجديدة والتي أعلنت الوزارة أنها تبدأ من ( كي جي 1 ) برياض الأطفال ، كان الأمر يتطلب استيعاب جميع التلاميذ الذين بلغوا السن في رياض الأطفال لكن الواقع كارثي :

فعدد الفصول في الصف الأول الابتدائي : 35654 فصلاً وعدد الفصول في رياض الأطفال للصف الأول ( كي جي 1 ) : : 13424 ، أي أن هناك عجز في عدد الفصول في ( كي جي 1 ) : 22230 فصلاً لاستيعاب جميع التلاميذ المتقدمين لـ ( كي جي 1 ) ، وطبعاً نحتاج نفس العدد لـ ( كي جي 2 ) ، أي أننا بحاجة إلى : 44460 فصلاً جديداً لاستيعاب المتقدمين لرياض الأطفال وطبعاً هذا في ظل الكثافات التي تبدأ من : 50 تلميذ في كل فصل وتصل إلى : 70 أي أننا بحاجة إلى مالايقل عن : 70 ألف فصل في رياض الأطفال حتى تكون الكثافات معقولة ، لأن المنظومة الجديدة تعتمد على الكثافات المنخفضة، وحتى يتم استيعاب التلاميذ على مستوى الجمهورية في رياض الأطفال لأن المنظومة طبقاً لخطة التطوير تبدأ من (كي جي 1) برياض الأطفال، وطبعاً استحالة توفير هذا العدد من الفصول .

3 مليون تلميذ محرومون من حقهم الدستوري في التعليم هذا العام ومليون و 300 ألف تلميذ سنوياً يتم حرمانهم من تطبيق المنظومة عليهم :

فالأطفال في سن القبول بـ ( كي جي 1 ) حوالي: مليون و800 ألف تلميذ بينما من تم قبولهم : حوالي : 500 ألف ؛ أي أن هناك مليون و300 ألف سقطوا من المنظومة، أضف إلى ذلك تلاميذ الصف الأول الابتدائي هذا العام : مليون و 800 ألف تلميذ لم يلتحقوا برياض الأطفال في المنظومة الجديدة ، أي أن هناك حوالي ثلاثة مليون و 100 ألف تلميذ سقطوا من منظومة التطوير في عام واحد وستتكرر هذه المشكلة سنوياً ، أي سيصبح حوالي ثلثي التلاميذ الذين سيتم تطبيق المنظومة عليهم بدون تعليم في رياض الأطفال ، أي سيكون هناك من التحق برياض الأطفال لمدة سنتين والغالبية من هؤلاء التلميذ حُرموا من الالتحاق ، وهذا مخالف للقانون والدستور ، فالمساواة يجب أن تشمل جميع أبناء الوطن .

2 – المكون الثاني وهو تدريب المعلمين والقيادات التربوية والذي تكلف : 250 مليون دولار بواقع : 4 مليار ونصف جنيه ؛ لم نكن في حاجة لقرض البنك الدولي لتدريبهم ، فلدينا أكاديمية مهنية للتدريب متخصصة في هذا الأمر ، ولديها ميزانية خاصة بها ، ومركز إعداد القادة ، ومراكز التدريب وإدارات التدريب منتشرة على مستوى الجمهورية ، بل نفس المدربين القائمين على التدريب في مشروع البنك الدولي هم أنفسهم المدربون بالأكاديمية ومراكز التدريب !!! ، كل ما هنالك أن شركات اجنبية تولت أمر التدريب ، وحصلت على النصيب الأكبر من المبلغ المخصص للمكون : 2 والذي كلف الدولة : 250 مليون دولار !!! .

مع أنه تم تدريب المعلمين في الأكاديمية من ميزانية الأكاديمية ، وتم تدريب المعلمين في برنامج المعلمون أولاً من صندوق تحيا مصر !!! .

 

3 – المكون الثالث : إصلاح نظام التقييم الشامل : تكلفة البرنامج : 330 مليون دولار بواقع : 5 مليار و 940 مليون جنيه :

- لم يرد في اتفاقية البنك الدولي أن التقييم الشامل يتم عن طريق إجراء الامتحانات بالتابلت أون لاين ، ولكن الاتفاقية اهتمت بالاختبارات الورقية والشفهية والمقالية وخاصة في اللغات لقياس المهارات اللغوية والابداعية والخط ، أما التابلت فليس فيه مما ورد في الاتفاقية شيء ، ولم تنص الاتفاقية على امتحانات الأون لاين ، فالمؤشرات التي وردت في المكون الثالث في الاتفاقية على النحو التالي :

- مؤشر : 7 : التنفيذ الناجح لإصلاح نظام تقييم الطلاب والتخرج من المرحلة الثانوية .

- مؤشر : 8 : تصميم وإعداد تقييمات وطنية للصف الرابع الالبتدائي والثالث الإعدادي وإجراؤها بنجاح .

- مؤشر : 9 : إعادة هيكلة المركز القومي للامتحانات والتقويم التربوي بوصفه مركزاً قومياً للامتحانات والاختبارات .

- وقد اختزل الوزير عملية إصلاح نظام التقييم في امتحان طلاب الصف الأول الثانوي أون لاين من خلال سيرفر الوزارة ومنصة امتحانات الوزارة ، التي سقطت وتم الاعتماد على السيرفر الداخلي للمدارس ، ولم يلتفت لعملية إصلاح المركز القومي للامتحانات ، ولم يهتم بتقييمات الصف الرابع الابتدائي والثالث الإعدادي كما ورد في نص الاتفاقية مع أنه تم تخصيص مبلغ كبير لهذا الغرض : 330 مليون دولار بواقع : 5 مليار و 940 مليون جنيه .

 

4- المكون الرابع: أنظمة التعليم القائمة على الربط الشبكي بتكلفة : 900 مليون دولار بواقع : 16 مليار و 200 مليون جنيه :

وقد تم اختزال هذا المكون في بنك المعرفة ، وتم تسميته ببنك المعرفة المصري ، مع أن الشركات صاحبة الكتب والمراجع والمواد العلمية الموجودة في بنك المعرفة هي شركات أجنبية ، وما تم طرحه في بنك المعرفة لا يجوز أن يُطلق عليه منهج :

فجميع دول العالم المتقدمة في التعليم وغير المتقدمة تضع خطة لتطوير التعليم إما قصيرة الأمد أو متوسطة أو طويلة الأمد ، ويكون المستهدف من هذه الخطة واضح ومعلن ، وأول أمر يتم التركيز عليه هو المنهج الذي يحقق أهداف الخطة ، والمنهج يكون موضوع بعناية من خبراء التربية والمتخصصين في كل دولة ، وأهداف المنهج يتم صياغتها من أهداف الدولة في خطتها الاستراتيجية ، وكل دولة في خطتها الاستراتيجية تكون مستهدفة صورة ووضع الدولة في نهاية تنفيذ الخطة ، فهل خطة الدولة أن تكون دولة صناعية أو زراعية أو سياحية ؟ !! ، وهل المناهج التي تم وضعها راعت أهداف الدولة في خطتها ؟ !! ، لم يتم الإعلان عن الهدف من خطة التطوير ، غير أن الوزارة تردد عبارة : تخريج طالب مبدع مفكر يعتمد في دراسته على الفهم والتفكير العلمي ، وأن يتم الابتعاد عن الطريقة التقليدية في التعليم التي تعتمد على الحفظ والتلقين !! ، وهذا الكلام المقصود به طرق التدريس وليس المستهدف من خطة التطوير ، كما أن تخريج طالب مبدع مفكر هذه عبارات موجودة في أدبيات معايير الجودة ، لكنها في الواقع غير موجودة ، لأنه لم يتم تغيير ولا تطوير مناخ وظروف وقدرات منظومة التعليم وبالتالي فلن يتحقق لا فكر ولا ابداع ، كما أن المناهج في جميع دول العالم لمرحلة التعليم قبل الجامعي تكون معلنة من أول ( كي جي 1 ) حتى نهاية المرحلة الثانوية ، والمقررات تكون مطبوعة في كتب في سلسلة تبدأ من كي جي حتى نهاية المرحلة الثانوية ، ويظهر هذا واضحاً في سلسلة كتب اللغات الأجنبية ، تراعي تطور المنهج من صف دراسي إلى صف دراسي آخر ، ومن مرحلة عمرية إلى مرحلة عمرية أخرى ، وتراعي ثقافة واقتصاد وتراث ودين وأخلاق الدولة ، فالوزارة لم تضع منهج متكامل ، ولكن وضعت مقرراً دراسياً لـ ( كي جي 1 ) و ( كي جي 2 ) والصف الأول الابتدائي فقط ، وهو عبارة عن محتوى تعليمي وليس منهجاً ، فالوزارة تتعامل مع المنهج وخطة التطوير كما يفعل أحد الترزية طُلب منه تفصيل بدلة سوداء بقماش من عنده، وليس لديه إمكانيات ، فلا عنده خيط كافي ولا قماش كافي وحتى ماكينة الخياطة تحتاج إلى تصليح كل فترة ، فكان يكفيه أن يعتذر عن عدم قدرته صناعة هذه البدلة لكنه أصر على تفصيل وخياطة هذه البدلة التي لا تتوفر لها إمكانياته ، فعندما يتوفر معه مبلغ بسيط يشتري خيط ونصف متر قماش ويقوم بصناعة ( كُم ) مرة ، وجيب للجاكيت مرة و(ياقة) مرة، ورِجل بنطلون مرة، وحِجر مرة!، وهكذا حتى يصنع بدلة، طبيعي ستكون درجات ألوان القماش متفاوتة، وأجزاء البدلة غير متجانسة ، ولا تصلح لأي شيء!.

العجيب أن أولياء الأمور بل والكثير من المتخصصين وقيادات الوزارة يخلطون بين المناهج والمقررات الدراسية ، فالمادة الموجودة في الكتاب المدرسي عبارة عن مقرر، أما المنهج فهو مجموعة الأهداف المعرفية والمهارية والسلوكية المراد إكسابها للتلميذ في الصف الدراسي أو المرحلة التعليمية ، فنحن نتعامل مع مقررات جوفاء وليس مع مناهج ، لأن المنهج يجب أن يكون مبني بناءً تدريجيا ، يحقق أهدافه في نهاية مرحلة التعليم قبل الجامعي ، وبالتالي فما بين أيدينا في كي جي 1 و كي جي 2 و الصف الأول الابتدائي هو مقرر وليس منهجا .

الأهم أن المكون الثالث الخاص بإصلاح نظام التقييم بتكلفة : 5 مليار و 940 مليون جنيه ، والمكون الرابع والخاص بأنظمة التعليم القائمة على الربط الشبكي بتكلفة :: 16 مليار و 200 مليون جنيه ، أي بتكلفة إجمالية للمكونين : 3 و 4 : 22 مليار و 100 مليون جنيه ، هذين المكونين يرتكزان على مصادر التعلم الرقم والتقييمات التي اختزلها الوزير في الامتحان أون لاين المعتمد على الأجهزة ، فالمكونين : 3 و 4 متداخلين ، ويمكن استثمار أدوات أحدهما للمكون الآخر ، فمليارات ضائعة في مكونين لا حاجة لهما سواء بنك المعرفة ، أو منصة الامتحانات أون لاين ، وعلى الرغم من هذه التكلفة العالية للتقييم أون لاين إلا أن التقييم أون لاين فشل في جميع تجاربه، والمادة العلمية الموجودى في بنك المعرفة لا يمكن الاعتماد عليها كمنهج، لأن المنهج له أهدافه المحددة ، ومعايير واضحة، وهذا لا يتوافر في بنك المعرفة، كما أن شركات بنك المعرفة هي شركات أجنبية ليس لها صلة بثقافتنا وتراثنا وعقيدتنا وأهدافنا المستقبلية .

5 – المكون الخامس : إدارة المشروع بتكلفة 20 مليون دولار ، أي بـ 360 مليون جنيه كلها ستكون من قرض البنك الدولي ؛ حتى يتحكم البنك فيمن يدير المشروع ، ويضمن ولاء العاملين في المشروع لتحقيق أهدافه ؛ أياً كانت هذه الأهداف ، بما يعد خطراً على التعليم الذي هو بمثابة خطر على الأمن القومي المصري .

الخلاصة :

هذا القرض ورط الدولة في خسائر مبدئية : 36 مليار جنيه ، في مشروع لم نكن في حاجة إليه الآن ، ولم يتم دراسته الدراسة الكافية ، ناهيك عن أن كل عام دراسي سنحتاج حوالي : 700 ألف تابلت ، غير ما يتم دفعه لبنك المعرفة ، وشركة منصة الامتحانات وشركات المناهج والبروتوكولات التي تم إبرامها مع دور النشر الخارجية ، وفوائد القروض وشركات النت ، من أين سيتم دفع هذه المليارات السنوية ؟ ؛ بل تم منح المنظمات الدولية فرصة في التدخل في التعليم المصري ، أي هذا القرض أعطى الآخرين فرصة للاختراق ، وبلاشك سيضر هذا التدخل بأمن مصر القومي .

ads