الخميس 05 أغسطس 2021 الموافق 26 ذو الحجة 1442
عن المؤسسة
عبدالناصر محمد
عبدالناصر محمد

أسرار وحكايات .. من زمن فات (الرحالة الغربى "بيلوتى")

الثلاثاء 22/يونيو/2021 - 08:51 ص
طباعة

 

الرحالة الغربى " بيلوتى " الذى زار مصر مطلع القرن الخامس الميلادى وإستمر فيها طيلة أربعون سنة يقول : أن القاهرة أكبر مدينة فى الدنيا أما نيلها فهو النهر الذى يقال أنه ينبع من الجنة الأرضية ويعيش الناس على مائه وخضاره وفواكهه وأنه واسع جدا قرب القاهرة لدرجة أن الناس تسميه " البحر " أما مياهه أحسن ماء فى الدنيا فهى تشفى المرضى وتفتح الشهية.

هذه الكلمات بإختصار تعكس أهمية النيل لمصر فهو الحياة وهو الشريان الذى تستمد منه مصر الوجود عبر كل العصور .. وأكم من المرات دخلت البلاد فى دوامة الجوع والمجاعة والفقر المدقع حين يقل منسوب النيل فى وقت كان فيه عدد السكان لا يتجاوز بضع ملايين فما بالك بمائة مليون نسمة وما يزيدون.

وقد حرص كل حكام مصر على الإهتمام بالنهر العظيم والتعامل بكل حزم وحسم وحنكة وقوة مع كل من يحاول بسط نفوذه وهيمنته على النيل ومع كل من يسعى للعبث به أو إهماله.

ويعد المماليك من أكثر الحكام الذين أبدوا إهتماما كبيرا بنهر النيل الذى أصبح خلال الحقبة المملوكية معبر للتجارة الداخلية والخارجية وقت إزدهار حكم المماليك وسرعان ما تحول إلى مسرحا للقراصنة وقطاع الطرق والحرامية فى فترة إنهيارهم.

وقد إستحدث المماليك وظيفة حساسة فى الدولة لم يكن يرقى إليها أى هلفوت " أى موظف صغير " وتلك الوظيفة هى " كاشف الجسور " ودوره الإشراف على الجسور السلطانية ذات النفع العام وهى عبارة عن سدود ترابية تقام على حافة النهر والترع لحفظ الماء من أن يفيض على الجانبين ويغرق البلاد المحيطة وعبر هذه الجسور كانت تفتح سدود الترع والخلجان عند تمام الفيضان فتخترق المياه فيها يمينا ويسارا لتروى الأحواض البعيدة عن مجرى النيل لذا كانت الجسور عنصرا مهما فى منظومة الرى.

أما حركة الملاحة فى نهر النيل فكانت متحركة لا تهدأ وبينما راجت التجارة بين المحافظات إلى الحد الذى جعل أحد المؤرخين المعاصرين يقول : ليس فى الدنيا نهر تجرى فيه السفن أكثر من نيل مصر.

ويقول الرحالة الأشهر " إبن بطوطة " أنه يوجد بنهر النيل ٣٦ ألف مركبا للسلطان والرعية تمر صاعدة إلى الصعيد ومنحدرة إلى الأسكندرية ودمياط بأنواع الخيرات.

وفاء النيل

يعنى وفاء النيل أنه وفى وبلغ الحد الذى سيحمل معه الخير للفلاحين ، وبهذه المناسبة كان السلطان يقيم مهرجانا قوميا ضخما يشارك فيه جموع الشعب وكان إذا أتم النهر الستة عشر ذراعا اللازمة للزراعة آنذاك يعلق على الشباك الكبير ستار أصفر اللون فيعلم الناس بالوفاء وتكون هذه الليلة من الليالى العظيمة بمصر والقاهرة يوقد فيها القناديل والشموع ويطول السهر حتى الصباح ويعقد جلسات تلاوة القرآن الكريم والأناشيد إبتهاجا بالوفاء وتقام فى الصباح مائدة ضخمة يطلق عليها إسم " سماط " حافل بالشواء والحلوى والفاكهة ويحضره السلطان.

أسماك وحيوانات مائية

كان النيل حافلا بالتماسيح الشرسة التى كانت تسبب الرعب لجميع راكبى النيل وبخاصة الصيادين وكان يوجد حبوان مائى من سلالة التماسيح يطلق عليه إسم " السقنقور " وكان يشبه التمساح وكان يفرق الناس بينه وبين التمساح أن السقنقور يسير على حافة النهر وعلى البر ولكن من يسير فى منتصف فهو تمساحا ويقال عنه أنه إذا " عض " إنسانا وهو على البر خارج المياه وتمكن من الوصول إلى المياه قبل وصول الإنسان فإنه ينجو ويموت الإنسان وإذا وصل المعضوض إلى الماء قبله يموت السقنقور وكان هذا الحيوان المائى الغريب يلجأ إلى حيلة غريبة حيث أنه كان يتبول ويتمرغ السقنقور فى بوله حتى يكتب لنفسه الحياة فى حالة عدم وصول الإنسان المعضوض إلى المياه.

وكان للصيادين طريقة يصيدوا بها التماسيح والسقنقور بل وكانوا يستخدمونها _ أى الحيوانات الميتة _ كوسيلة للتسول حيث كانوا يسيرون بها فى الطرقات وهى ميتة إلتماسا للصدقات من الناس بإعتبارهم خلصوا الأهالى من شرورها.

ومن بين أسماك النيل سمكة اسمها «الرعادة» تصيب من يلمسها بالرعشة، ولذا كان الصيادون يتعمدون إخراجها من شباكهم فور اصطيادها، كما وصفوا فرس النهر، بأنه سمكة تعيش في نهر النيل تشبه الإنسان ،ذات لحية طويلة وأطلقوا عليها اسم «شيخ البحر»، وكانت بالنسبة لهم سمكة مشئومة، إذا ظهرت في مكان أعقب ظهورها القحط والموت والفتن.

مجاعة وفيضان

تضررت مصر من زيادة ونقصان منسوب النيل، باعتبار أنه هو مصدر المياه الوحيد لدينا، فحين يقل ماء النهر عن الحد اللازم للزراعة، يقلق الناس وتنتابهم المخاوف من حدوث المجاعة، فيسارعون لتخزين الغلال ضمانا لقوتهم وقوت عيالهم أثناء الأزمة المتوقعة، ويسارع التجار إلى تخزين الغلال طمعا في الحصول على أرباح أكبر برفع سعرها، ويشتد تزاحم الناس على الأفران وحوانيت بيع الغلال، وتظهر السوق السوداء، وتمتد حمى الأسعار إلى «كل ما يباع ويشترى من مأكول ومشروب ومبلوس»، كما يقول المقريزي في كتابه «إغاثة الأمة في كشف الغمة».

 ويؤكد الدكتور قاسم عبده قاسم في كتابه الشيق «النيل والمجتمع المصري في عهد سلاطين المماليك» أن أول مجاعة ظهرت آنذاك عام 662 وقت سلطنة الظاهر بيبرس، إذ توقفت زيادة النيل وتبع ذلك ارتفاع أسعار الغلال، وقل الخبز في الأسواق وكاد يختفي، وأكل الناس حشائش الحقول وأوراق اللفت والكرنب، واستمرت الأسعار في تصاعدها حتى دخلت السنة الجديدة بمحصولها فانخفضت الأسعار تباعا

وبعدها بنحو 25 عاما أثناء حكم السلطان العادل كتبغا، توقفت زيادة النيل وحلت بالبلاد مجاعة أعقبها وباء «أسكن الألوف التراب»، وفيها «كثر الشح، ووقفت الأحوال واشتد البكاء، وعظم الضجيج في الأسواق من شدة الغلاء»، ووصل الأمر بالناس إلى أكل الكلاب والقطط والحمير والبغال، ولم يبق عند أحد شيء، وقيل إن الكلب السمين صار يباع بخمسة دراهم، والقطة بثلاثة دراهم، وتساقط الناس صرعى الجوع في الطرقات، فامتلأت بجثث الموتى، وانتشر الوباء الذي قضى على عدد كبير من السكان، كما يذكر المقريزي.

وخلال عام 749 وما بعده حدث الوباء الرهيب الذي عم المعمورة، ابتداء بالشرق الأقصى وانتهاء بمصر وأوروبا، وقد عرفه المؤرخون العرب باسم «الفناء الكبير»، وكان طبيعيا أن تصحب هذا الوباء مجاعة استمر أثرها لعدة أعوام، إذ اشتدت الأزمة على الناس بسبب هبوط النيل، وتناقص عدد الفلاحين.

يروي المقريزي عن مجاعة عظيمة أخرى استمرت من عام 796 لمدة عشر سنوات تقريبا، حين توقف النيل عن الزيادة ولم يوف، فشرقت أكثر الأراضي ولم تزرع، وفي هذه الأزمة «مات أكثر من نصف سكان مصر، ونفقت الماشية والحيوانات».

خلال هذه المجاعات، اضطر السلاطين للهروب مع الأمراء من القاهرة إلى سرياقوس أو الطور وغيرهما.. كانوا يفرون فرارا من جوع الناس، كما يهرب الأعيان و«مساتير الناس» ويبقى العامة غذاء سهلا للكوارث.

وهكذا عاشت مصر في استقرار طالما انتظم النيل ووفّى، وشهدت نكبات متوالية إذا لعبت الطبيعة لعبتها معنا بالمنح والمنع.