الخميس 15 أبريل 2021 الموافق 03 رمضان 1442
عن المؤسسة

هروب.. "قصة قصيرة"

الأحد 04/أبريل/2021 - 12:59 م
جريدة الكلمة
بقلم: نرمين دميس
طباعة

 

فى ليلة صافية، اعتلى القمر عرش السماء ليغمرها بنوره الفضي، انتثرت حوله النجوم المتلألئة كجوار راكعة تنشد رضا مليكها.

جلس فى ركنه المفضل من الشرفة، تتعلق عيناه بلوحة السماء تلك، يقتحم أنفه رائحة ملكة الليل الفريدة، يغمض عينيه، يحاول أن تتوحد روحه مع صفاء هذا الملكوت، تنسلخ مما انغمست فيه من عبودية المادة واللهث وراء الأهواء والشهوات، تتطهر من ملوثات الأرض التى أخرجها قاطنوها عن فطرتها، فأصبحوا لا يعرفون راحة ولا هدوءا إلا فى باطنها، تخلع عن نفسها رداء ثقيلا من الهموم والأحزان وخيبات الأمل، تتسامى فتلقى الأحباب الذين فارقوها واستوحشت الحياة من بعدهم، تتحرر وتنال الفكاك من تلك الدائرة المفرغة.

يفتح عينيه ببطء، يقول فى نفسه بعد زفرة طويلة :

وكيف السبيل إلى ذلك؟!!  كيف للروح أن تفارق الجسد بلا موت؟! هل تستطيع روحي أن تهيم على وجهها خارج ذلك الجسد المادي ؟! هل من وسيلة للهروب ولو لبرهة من الوقت؟

لا أستطيع انتظار خلاص الموت، وإن تعجلت الأمر وأنهيت تلك المهزلة،  فلن ترتاح روحى وتتحرر، بل أكون قد سقطت بها فى هوة سحيقة ليس لها قرار.

أحتاج فقط إلى هدنة، أنعم فيها بالسلام والسكينة، ثم أعود للدوران فى ساقية الزمن من جديد، ولكن كيف يكون ذلك؟!!

أأبرح تلك الحياة إلى غيرها؟ أأهجر كل شئ، العمل والأسرة والمسئوليات وأهرب بعيدا إلى فضاء جديد لا يعرفني فيه أحد؟

لا.. لن يكون ذلك سهلا، وإن فعلته سأشعر دوما بالذنب نحو من خلفتهم ورائى، إذن فلأدعو الله أن أفقد الذاكرة، فأعود إلى الفطرة التى فطرنى الله عليها، بلا أخطاء ولا تاريخ، أعود طفلا يحبو بروح نقية بريئة، ولكن ماذا أفعل إن عادت ذاكرتى فجأة، بالطبع سأزداد حزنا وألما.

يبدو أن الهروب ببقايا روحي من هذا السجن المدعو بالجسد، أمر بالغ الصعوبة، بل يبدو أنه مستحيل، اللهم إلا فى الأحلام فقط.

يرتفع تكبير المآذن لآذان الفجر،  فتلمع عيناه وتترقرق فيها دموع الفرج، يذهب لتلبية نداء ربه، وما إن يخر ساجدا حتى يجرى شلال دموعه مرددا:

السبيل.. السبيل فى معيتك يا إلهى.

ads