الخميس 06 أغسطس 2020 الموافق 16 ذو الحجة 1441
العدد الورقي مجلة طلع النهار
مصطفي زكي
مصطفي زكي

مصطفى زكي يكتب: الكابوس لم يأتِنا بغتةً

الأربعاء 08/يوليه/2020 - 01:10 م
طباعة

 

لم يكن يومًا مزعجًا.. فقط.. نحن من توهمنا غافلين أننا نعيش في عالم يحمل إلينا مثاليات لم تصنعها سوى خيالاتنا العاجزة عن إدراك الوجه الآخر الأكثر وضوحًا فيه.. أو لنقل.. الوجه الأوحد..

ذلك الكابوس لم يأتنا بغتةً كما أوهمنا أنفسنا.. سبقته إرهاصات غرس بذورها أولئك الممسكون بخيوط نراها جيدًا.. وندرك قسوتها.. نصفق إذا انقطع أحدها لتعاود أيادينا المرتعشة ترميمه بإحكام مبهر..

خيوط رأيناها.. ونراها.. تحيط أعناقًا، فولينا وجوهنا إلى حيث لا نعلم.. وهم يعلمون.. وها نحن نحصد ما غرسوا.. فقد حان موسم حصاد خلايا صدورنا.

لم يعد السؤال اليوم: هل تم تخليق ذلك الفيروس اللعين، أو من ذا الذي تعمد إبادة العاجزين عن ملاحقة القطيع؛ ففي كل الأحوال يتصدر الإنسان.. أي إنسان.. في كل زمان ومكان على سطح هذا الكوكب البائس.. الإنسان فقط.. يتصدر المشهد كإجابة وحيدة قاطعة لكل التساؤلات.. باترة لشتى محاولات الوصول..

وهنا.. اليوم.. أرى السياق مناسبًا لجزء من مقال سابق لي، منشور تحت عنوان "حرف تايه.. الوجه الأفضل للحياة"، حيث وجدنا أنفسنا مجبرين على إحصاء الأرواح أرقامًا.. مجرد أرقام:

ـ ".. وبنظرة سريعة على إحصاءات ضحايا الحروب نستطيع أن نتبين مدى تعدي المدعو إنسانًا ـ إن استحق الاسم ـ على بيئته الاجتماعية.

ففي الحرب العراقية الإيرانية مثلا بين عامي ١٩٨٠ و١٩٨٨ قُدر عدد الوفيات بحوالي مليون فرد.. والرقم المخيف نفسه تكرر قبلها في الغزوات اليابانية لكوريا وحرب بيافرا، ناهيك عما أصاب أسر القتلى من تشريد وضياع وأزمات اجتماعية ونفسية!

نعم.. الرقم صحيح.. مليون ضحية تقريبا لكل حرب من الحروب الثلاثة، وهو الرقم الذي يعتبر صغيرا نسبيا مقارنة بحروب أخرى أشد ضراوة وقسوة وتعديًا على البيئة الاجتماعية، فقد شهدت الحرب السوفيتية في أفغانستان بين عامي ١٩٧٩ و١٩٨٩ حوالي مليون وستمائة ألف قتيل، وحصدت الثورة المكسيكية بين عامي ١٩١٠ و١٩٢٠ أرواح مليوني إنسان، بينما شهدت حرب فيتنام بين عامي ١٩٥٥ و١٩٧٥ ما يقرب من أربعة ملايين قتيل.. وكانت حصيلة حرب الكونغو الثانية أكثر من خمسة ملايين قتيل.. وحصدت الحروب النابليونية أرواح ما يقارب الستة ملايين إنسان، ويظل الرقم في تصاعد مرعب إلى أن يصل في الحرب العالمية الثانية بين عامي ١٩٣٩ و١٩٤٥ لحوالي ٨٥ مليون قتيل؛ ليتجاوز مجموع ضحايا تلك الحروب الكبيرة وغيرها والتي يقدر عددها بثمان وعشرين حربًا رقم السبعمائة مليون قتيل.. وهو الرقم الذي إذا ضاعفناه خمسة أضعاف ـ كمتوسط لعدد أفراد الأسرة ـ سنجد من نال منهم تأثير الحروب بشكل مباشر يصل عددهم إلى رقم يصعب تصوره.

تلك الأرقام المرعبة.. ناهيك عن ضحايا الحروب الصغيرة والقمع بأشكاله، والإرهاب، والحوادث الفردية، على مر التاريخ.. هي القدر اليسير الذي أمكن إحصاؤه من عدوان الإنسان على "أخيه الإنسان" إن جاز التعبير..

فماذا ـ إذن ـ عن تأثير ذلك المسمى إنسانًا على باقي الكائنات من مشاركيه الحياة على كوكبه؟!!

أيها الفضائي البعيد ـ بافتراض وجودك ـ الزم مكانك، فما رصده تليسكوبك هو الوجه الأفضل "المنقرض" للحياة على هذا الكوكب البائس".

ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads