الأربعاء 12 أغسطس 2020 الموافق 22 ذو الحجة 1441
دار العالمية للصحافة

خالد محمد خالد.. المفكر والإنسان الذي تحتاجه لحظتنا الحاضرة

الأربعاء 08/يوليه/2020 - 11:01 ص
جريدة الكلمة
طباعة

إعداد وتقديم: منير عتيبة

سألت أستاذي المفكر الكبير خالد محمد خالد ذات مرة: لماذا تضيع وقتك مع (شلة مقاطيع) مثلنا؟!

كنا مجموعة من الشباب الجامعي أو المتخرجين حديثا نتحلق حوله وننهل من علمه وأدبه وإنسانيته، منهم: د.عاطف الطحاوي، الصحفيون حاليا محمد اسيد درويش وحسام عبد القادر وصفوت يوسف، الممثل الناشيء وقتها محمد رياض، والصديق طارق فؤاد طه، وآخرون.

ضحك الأستاذ وقال لي: زكاة المال أن تعطي بعضه لمن يستحقون الزكاة، لكن هناك زكاة للعلم أن تنقله لغيرك، وزكاة للعلاقات أن تستخدمها في خدمة خير الآخرين، وهكذا لم يعطك الله شيئا لتبخل به أو تكنزه لنفسك، بل لتفيد به نفسك وغيرك ووطنك.

كان التقائي بالأستاذ خالد إحدى النعم الكبري التي أفاء الله عليّ بركاتها طوال عمري، رأيت كاتبا يؤمن بما يقول، ويكتب ما يؤمن به، ويفعل وفقا لما يكتبه، هدفه الوحيد هو (لله والحرية) كما عنون إحدى سلاسل مقالاته، عشت تسع سنوات تلميذا لصيقا لإنسان يندر وجوده، يعلمنا، ويربينا، ويساعدنا بالنصيحة، وبنشر أعمالنا، وحتى بالمساعدة المادية لمن يحتاج، وكانت روحه وهو في السبعين أكثر شبابا من أرواحنا ونحن في عقدنا الثاني، حتى أني عندما خسرته كإنسان بالوفاة، كانت أسرتي تعزيني، وأبي وأمي يحاولان التخفيف من حزني، أهديته أول كتبي، كتبت عن حياته مسلسلا إذاعيا من 30 حلقة قام ببطولته تلميذه محمد رياض، كتبت عنه في كل مناسبة أستطيعها، وأشعر أنني لم أف 1% من دينه في رقبتي وروحي.

خالد محمد خالد هو المفكر والإنسان الذي تحتاجه لحظتنا الحاضرة، وفي ذكرى ميلاده المئوية (15 يونيه1920- 29 فبراير1996) على الوطن أن يستعيد هذا الرجل، ويستفيد بفكره ورؤاه. وما كتبه بعض تلاميذه هنا ليس سوى تحية إلى روحه الطيبة التي نرجو أن تكون في أعلى جنات النعيم.

****************

 

من أنا حتى أكتب عن خالد محمد خالد

بقلم: حسام عبد القادر – صحفي وإعلامي

أفخر دائما أنني تلميذ للمفكر الكبير الراحل الأستاذ خالد محمد خالد، ولم أكن أذكر ذلك كثيرا نظرا لأني كنت أشعر بالغرور من هذه التلمذة، وأذكر أن الشاعر الكبير صبري أبو علم رحمه الله عندما علم مني ومن منير عتيبة علاقتنا بالأستاذ خالد تعجب، ومزاحنا قائلا "بقى انتوا المفعوصين كنتم تعرفوا هذا المفكر الكبير". وقام الأستاذ صبري بتنظيم ندوة بمركز الحرية للإبداع دعانا – أنا ومنير عتيبة- للحديث عن المفكر الراحل خالد محمد خالد. هناك الكثير في جعبتي عن خالد محمد خالد، إنسانيته، كتبه التي قرأت معظمها، فكره الذي كان يتعدى زمنه بمراحل، والكثير والكثير. إلا أنني كنت دائما لا أستطيع أن أسطر حرفا عنه، قد يكون السبب أنني لن أعطيه حقه، أو من أكون أنا حتى أكتب عن خالد محمد خالد، وأحيانا اسأل نفسي، هل ما سأكتبه كان سيعجب الأستاذ؟ وكانت دائما الإجابة في مخيلتي بالنفي. اتذكر في عام 1989 تقريبا، وكنا في أجازة الفرقة الثانية بالجامعة، عندما قال لي صديقي منير عتيبة "عندي لك مفاجأة، لقد تعرفت على خالد محمد خالد"، فسألته في اندهاش "خالد محمد خالد المفكر الكبير". وكنت اقرأ له دائما مقاله الأسبوعي في جريدة الوفد، وكنت من أشد المعجبين به، ولدي فكرة عامة عن كتاباته. عرفت من منير أنه ذهب وقابله، ومعه صديقنا المشترك محمد درويش، وأن الأستاذ كان ودودا جدا، وأنه –منير- حدثه عني وعن حبي للصحافة، وطلب أن يراني. نظرت إلى منير متسائلا: "طلب أن يراني؟" هكذا بكل بساطة، رفضت أن أذهب مع منير، وقلت له وكيف سأقابل هذا العملاق، وكيف سأتحدث معه؟ وماذا سأقول له؟ لن أستطيع الحوار معه، وقلت لمنير "أنت تكتب قصص وأدب وقد يكون لديك حصيلة معرفية أفضل مني"، أما أنا فلا أظن أن أرقى لهذه المقابلة، فلنأجلها قليلا حتى أستعد. ضحك منير وسخر من كلامي، وقال "أنت فاهم خطأ تماما، الأستاذ خالد رجل بسيط جدا، فهو لن يتحدث معك عن معاركه الفكرية ولن يأخذ رأيك حتى تكون بهذا الخوف، ومن أنت لكي يأخذ رأيك". وأصر منير على اصطحابي لهذه المقابلة. كانت المقابلة بفندق مكة الذي يقع على كورنيش الإبراهيمية، وكان الأستاذ خالد يحب أن يقيم بهذا الفندق عندما يزور الإسكندرية دائما، لحبه للمكان ولعلاقة الصداقة التي تربطه بصاحب الفندق. عندما أنتهت مقابلتنا مع الأستاذ خالد، شعرت أنني كنت جالس مع صديق لي، لم يشعرني أبدا أنني أجلس مع شخصية هامة، أو مع مفكر من أهم مفكري عصرنا هذا. وبدأت علاقة التلمذة بالأستاذ، وبفضل الله كنت أنا ومنير من المقربين له ضمن شلة شباب سكندري رائعة، وكان مجرد أن يأتي الأستاذ للإسكندرية نتجمع عنده ونستمع له ويستمع لنا أكثر. اتذكر وأنا أسير معه في محطة الرمل، وكان دائما يأتي له من يريد التصوير معه، أو من يطلب مشورته أو رأيه، أو حتى يسلم عليه، فقال لي مرة "الناس دلوقتي حتقول يا ترى مين اللي ماشي مع حسام عبد القادر ده". ضحكت كثيرا لبساطته وقفاشته الدائمة. كان منزله بالروضة قبلتنا عند ذهابنا للقاهرة، قبل أن ينقل إلى المقطم، فكنا لابد أن نبدأ به، وكان يصر على إقامتنا لديه، وهناك شاهدنا وزراء وسفراء ومفكرين وكتاب من كل الأطياف والألوان. كانت مدرسة كاملة، كنت أشعر أنني محظوظ بهذه العلاقة التي لم استخدمها قط في حياتي للوصول إلى أي هدف. الحديث عن الأستاذ خالد لا يمكن أن يعطيه حقه مهما كتبت، وقد أكون تأخرت كثيرا، ولا أخفي أنني ترددت كثيرا قبل أن أكتب مقالي هذا، ولكني كتبت إرضاء لصديقي منير عتيبة.. فمن أنا لكي أكتب عن خالد من خالد؟

**********

خالد محمد خالد.. الإنسان أولاً

محمد السيد درويش- صحفي اقتصادي

قابلت من أصبح فيما بعد معلمي الأول والأهم في إشارة مرور في محطة الرمل بمدينة الاسكندرية. كنت قد شاهدت له حلقة في التلفزيون شدني إليه ببساطته وعمقه في حديثه على الشاشة، عندما لمحته قبل إشارة المرور بعدة شوارع ترددت في التحدث إليه فغاب عني في الزحام، بعدها التقيت به في إشارة المرور نفسها ، ساعدتها تجرأت وتحدثت إليه وعرفت محل إقامته في أحد الفنادق القريبة من محطة الرمل والمطلة على البحر. ذهبت إليه وتعرفت عليه واتفقت معه على اللقاء مجدداً بالقاهرة وقد كان. عندما قابلت الاستاذ/ الانسان/ المفكر في نهاية دراستي بالثانوية العامة وقبل دخولي الجامعة مباشرة، ارتبطت به منذ ذلك الحين حتى رحيله. من المستحيل عليا تلخيص عمق تأثيره لي في حياتي انسانياً وفكرياً واجتماعياً وعاطفياً تأثير باقٍ رغم غيابه، مستمر رغم فراقنا بسبب رحيله. كنت سعيداً ولا أزال بعد أن أصبحت تلميذاً وسبب في معرفة زملاء لي به نالوا أيضاً حظهم الطيب في التعلم على يديه لأطبق ما تعلمته منه حب لأخيك ما تحبه لنفسك. عندما جلست للكتابة عنه الأن وهذه أول مرة أكتب عنه بعد رحيله، الأن أكتب فقط أقول رحيله، لأنه عائش معي دائماً مع مناسبة ميلاده المائة ، أجد نفسي متحدثاً بعد سكوت ومتكلماً بعد عزوف عن الكلام ، فقط لأقول له وعنه طبت حياً وميتاً. بتشجيعه قرأت موسوعة قصة الحضارة لول ديورانت ، ٤٢ جزء اكثر من ١٤ الف صفحة. لأكون مميزا في نفسي و بإرشاده. ما تعلمته من تاريخ البشر ان احترم الانسان بلا قيد او شرط او مقابل. خالد محمد خالد الانسان المؤمن بعقل مفتوح، المثقف بغير تعصب، الحر بدون ادعاء، القوي بدون غرور، المحب بدون مبالغة، القريب من الله بدون تظاهر. المسلم الذي يعرف أن اسلامه شرط صحته ايمانه الصادق بكل رسالات السماء وأن الله ليس حكر على طائفة وليس مؤمناً بدين واحد، الله هو الواحد وكل الأديان دينه وهديه. من هنا جاء اخر كتبه "الاسلام ينادي البشر " ليكون تلخيصًا لسيرته و مسيرته و إيمانه بالإنسان و الإنسان اولا، و قبل كل ثقافة و بعد كل دين و توجه فكري. بدعمه و تشجيعه كتبت في جريدة الاخبار مقالات سياسية ، تحت لقب طالب بآداب الاسكندرية. و استفدت كثيرا بنصائحه. من الصعب ان تلخص سطور ، شهور و سنين و تجربة حياتية غنية مع من قال لا للرئيس عبد الناصر في عز جبروت سطوته و سيطرته، عندما سعي لفرض التأميم علي حياة و ممتلكات مصريين باسم ادعاء ان لا حرية لاعداء الشعب. اذكره الان و اذكر مقولته العابرة للازمان " استمتعوا بالسيء فالاسوء قادم ". أتمنى أن اكتب عنه لاوفيه حقه عليا وعلى بلادنا وعلى حياتنا ، نحن المؤمنون بالحرية ميراث الأنبياء و الرسالات و الرواد علي الارض . هو صاحب العبارة المؤسسة لوعي المصريين بالتحرير قبل و بعد ثورة يوليو " علي الاستعمار ان يحمل عصاه و يرحل ". قطعاً سأفعل ذلك و اكتب عنه ، حتى وقت ذلك ، تحيه له في عيد ميلاده المائة وعقبال ميلاده الثاني في وعينا وحاضرنا لا باعادة نشر كتبه ومؤلفاته، بل بأحياء علومه بالدين والحياة والانسان ساعتها فقط سيكون ميلاده الثاني وستكون شموعه ضوء لكل الحياري من أهل مصر في زمن ضاع فيه المجداف والملاح. إلى استاذي العظيم لك محبتي دائماً.

**********

في ذكري ميلاده أستاذي خالد محمد خالد شكرا

بقلم: صفوت يوسف ـ رئيس تحرير جريدة نداء الوطن

تتشكل أفكارنا بقودة دفع المؤثرات من معلومات وسرد واحداث ورصد للواقع ويأتي هذا من خلال الشخصيات التي اثرت فينا واثرت عقولنا وبتشكل وجداننا من كم المشاعر والاحاسيس التي تتكون من حبنا للاشخاص فتموج بنا الذكريات ويدفعنا الحنين الي الاستلقاء علي الرمال للتأمل .. والمفكر الانسان خالد محمد خالد ترك ميراث داخلي بل خلق مسارات للافكار ليس وحدي فقط بل كل من تعلم منه وتتلمذ علي يديه او تعايش معه في رحلاته الفكرية عبر التاريخ وبالطبع هم كثيرون ولكن ابرزهم مجموعتنا " اصدقاء الدراسه والفكر وإعمال العقل .. في عام 89 كتبت قصه قصيره بعنوان الشرخ.. كنت وقتها طالبا في اولي كليه وتلك الفتره كان لدي اسهاب في كتابه القصه بل كنت استثمر الوقت ما بين المحاضرات لكي نجلس في احد اركان الكليه امام مدرج العبادي مع اصدقائي منير عتيبه وهو اديب متعدد الابداعات ومحمد درويش الباحث ومتنوع الاتجاهات ونهله ابراهيم الاكاديمية وكنت اقرأ القصص واستمتع واتعلم من منير لانه كان الابرع في اللغه والثقافه الادبيه " موسوعة "وفي يوم اعد لي صديقي محمد مفاجاءه وهي ان يقابلني بالمفكر الاسلامي الكبير خالد محمد خالد رحمه الله.. وبالفعل اتجهنا الي مقر اقامته في زيارته للاسكندريه وهو فندق مكه بمنطقه الابراهيميه.. كان اول لقاء لي مع استاذنا الكبير وعرفته بنفسي وعلق منير بمرحة المعتاد وقال ولديه شراهه في الكتابه فطلب مني ان اقرأ له قصه من اعمالي وقرأت قصه الشرخ فوجئت انه اعجب بها وقال سانشرها لك في جريده الوفد الصفحه الادبيه يوم الخميس.. لم اصدق نفسي بل كانت مفاجاءه لم اتوقعها وخاصه انه اول لقاء لي مع مفكرنا القدير وايضا مع اصدقائي بقياده صديق العمر محمد درويش .. وكانت المنافسه في الكتابه رائعه بيننا كشباب تنوع وافكار ومناقشات وانا رغم ميولي الصحفية الشديده الا ان القصه تمثل لي الحياة . تعددت لقاءتنا مع استاذنا في كل زيارة الي الاسكندريه وفي كل لقاء يحكي لنا جانب من التاريخ وعلاقته بالرئيس عبد الناصر ومؤلفاته التي دفعتني لقراءتها جميعا السيرة النبوية ،رجال حول الرسول ،الوصايا العشر تميز في كتاباته بجمال الأسلوب، والقدرة على التعبير والغوص إلى جوهر الأشياء، فكان كثيرا ما يُسأل عن السر في جمال أسلوبه فكان يقول:"إن الأسلوب في الكتابة لا يصنعه شيء إلا رب العالمين". في ذات يوم ونحن في غرفته داخل فندق مكه قال لي " علاقتك بمحمد والحميميه اللي بينكم وعمقكم وتداخلكم الهمني بفكرة كتابي القادم فابتسمت وقلت له " يا مولانا عن ايه الكتاب " فقال لي محمد والمسيح معا علي الطريق .. وقد سرد لنا استاذنا عدة نقاط في الكتاب حيث يسعى لمخاطبة الذين يؤمنون بالمسيح والذين يؤمنون بمحمد والقول لهم "إن برهان إيمانكم إن كنتم صادقين، أن تهبوا اليوم جميعًا لحماية الإنسان.. وحماية الحياة".وفى الكتاب تحدث عن نور خرج من الظلمة لينشر العدل والحق والحب والرحمة بين الناس، ذلك النور متمثلاً فى المسيح وفى محمد، فالمسيح يقول: "جئت لأخلص العالم"، ومحمد يقول: "إنما أنا رحمة مهداة" ومن المؤكد أنهما يقصدان "إنهاض الإنسان"، و"ازدهار الحياة".جاء المسيح، ومن بعده محمد بدعوة موضوعها الإنسان، ليخصاه من الظلم والاستبداد والجهل، فأخلصوا لدعوتهم حتى انتشرت فى بقاع العالم، ولأنهما بعثا من أجل الإنسان.. كانا إنسانين.. رجلين من البشر.. يأكلان الطعام.. ويمشيان فى الأسواق، وأول ما يبهرنا فى عنايتهما بالإنسان، هو أن المسيح ينعت نفسه "أنا ابن الإنسان"، بينما يقول محمد "أنا بشر مثلكم"، ولم يجيئا ملكين، ولا من طبيعة غير طبيعة البشر، إذًا فالإنسانية هى الجنسية التى يحملها المسيح وأخوه ان الاستاذ العظيم رحمة الله وفي ذكري ميلاده نتذكرة حي نابض مشع الفكر عميق المغزي والمعني نهر فياض بالاحداث والمواجهات وهو الامر الذي جعلني اتجرأ واطلب منه عمل حوار صحفي شامل لم يتأخر ولم يتردد وفي وقتها قال تفضل وكان هذا اهم حواراتي الصحفيه تحدث فيها عن علاقته بالسلطة جمال عبد الناصر والسادات ومبارك وتحدث عن كتبه والازمة التي اثارها كتابه الشهير مواطنون لا رعايا تمضي البشر في حال سبيلها ولكن العظماء هم من يقطنون العقل والقلب ومفكرنا ومولانا واستاذنا منهم ننحني كتلاميذ للمعلم مدركين قيمة الكلمة المجسدة لتعيش مع الناس شكرا لك.

ads