الثلاثاء 29 سبتمبر 2020 الموافق 12 صفر 1442
دار العالمية للصحافة
حسام أبو العلا
حسام أبو العلا

حسام أبو العلا يكتب: "كوم لحم "..!!

الخميس 25/يونيو/2020 - 07:53 م
طباعة


"يارب دول كوم لحم" .. قالها أبي وهو ينزوي في ركن بيتنا ويناجي ربه ويبكي بحرقة بعدما عاد بأمي الشابة الجميلة جثة هامدة من المستشفى بعد دقائق من إصابتها بأزمة قلبية حيث جادت بأنفاسها الطاهرة في الليلة الثانية بعد منتصف رمضان قبل نحو 34 عاما ..
فجأة استفاق أبي الشاب الوسيم الذي لم يبلغ 45 عاما من حلمه الجميل بتأسيس أسرة بسيطة بعد أعوام الشقاء في طفولته وصباه ليجد نفسه مرة أخرى يقف على أرض من أشواك وفي عنقه طوق ثقيل يضم ثلاثة أبناء أصغرهم خمسة أعوام ..
مرت أيام الحداد وكفكف الجميع دموعه إلا أنا .. انفضوا من حولي ولم يبق إلا أبي..
كنت أشفق عليه وهو يترك عمله في أحد البنوك ويعود سريعا إلى البيت في فترة الظهيره ويشَمَّرَ عن ساعِدَيْهِ ليطهي الطعام ويعود سريعا إلى العمل دون أن تدخل جوفه لقمة ..
ما بين حزني على أبي وهو يقوم بدور ربة المنزل بجانب ضغوط عمله التي تحتاج إلى تركيز لارتباطها بالأرقام والحسابات ، وسعادتي باكتشاف النهر المتدفق من الحب والحنان والعطاء في قلبه .. كنت أقف في حيرة مكبل ..
قررت فورا أن اتقمص دور أبي ربما أخفف عنه عبء "كوم اللحم" .. وبعد محاولات فاشلة استغرقت أسابيع أصبحت ماهرا فيما يقوم به أبي  من " غسل وكنس وطهي ".. تحملت توبيخه المستمر لإصراري على مساعدته دون أن يطلب، وطالبني وشقيقاي فقط بالتركيز في الدروس ..
ظل أبي على العطاء ذاته في رحلة تجاوزت ربع قرن لم يتململ ولم يشعرنا يوما بوجعه من الابتلاء بفقد شريكة حياته في مقتبل العمر ولا بمعاناته التي كانت تبكيني في كل صلاة  ..
حصد أبي صبره وأينع زرعه .. وعندما أجلس بجواره لانهل من معين خبرته .. يبتسم ويقول : لا يوجد أغنى مني .. أنتم ثروتي التي تجارت فيها مع الله وربحت..

حينها أعود إلى مناجاته لربه : "يارب دول كوم لحم" ..  وإلى دموعه التي تحولت إلى ابتسامة رضا بقضاء الله ..
ads
ads
ads
ads
ads
ads
ads