الأربعاء 14 نوفمبر 2018 الموافق 06 ربيع الأول 1440
العدد الورقي مجلة طلع النهار

إيمان الزيات تكتب: الفانتازيا والواقعية السحرية أقنعة أزمة الذات والهُوية في مجموعة (نشاطركم الأرواح)

الإثنين 22/أكتوبر/2018 - 12:10 ص
غلاف نشاطركم الأرواح
غلاف "نشاطركم الأرواح"
طباعة

تقدم لنا الكاتبة يارا كمال في مجموعتها القصصية (نشاطركم الأرواح) الصادرة عن دار حسناء للنشر مشاعر الخوف، والشك، والأزمة بخيال مقنع من خلال عالم سردي فنتازي يتسيد فيه الأدب الخارق للواقع الذي يعبر عموماً عن القلق الوجودي ، فيقدم رؤية مختلفة عن الذات ، حيث تعتمد قصص المجموعة على اختراق ما فوق الطبيعي لليومي والمعتاد والرتيب في حياة الشخوص والأبطال.

عرّف (القزويني) الغريب بأنه: " كل أمر عجيب مخالف للعادات والمشاهدات"، بينما كان الغريب عند (تودوروف) يعد تعبيراً عن: "كل ما يمارس الخوف والارتباك والحيرة والقلق على نفسية الإنسان، وفي نفس الوقت يمكن تفسيره عقلانياً وطبيعياً"، وأرى أن كلاهما قد تلاقى عند نقطة في تعريفهما للغريب الذي يتمظهر جلياً في مجموعة (نشاطركم الأرواح) بصوره المتعددة (العجائبية، والرمزية، والواقعية السحرية).

تستلهم الكاتبة (يارا كمال) ثيماتها من الحكايا (الألف ليلية) فتقدم الأزمة بصورة تقنية تراثية مُحَدَّثة تعبر عن غربة الذات وانقساماتها المتعددة بدءاً من هامش (الغلاف) الذي ينطوي على أربع لوحات لا تخلو من عنصر الطيور شكلاً واحالة، ثم تأتي عتبة العنوان الذي يعد قراءة من المؤلفة لنصوصها أومفتاح من مفاتيح العمل التي تقدمها الكاتبة لقرائها على عتبة الولوج الأولى للنص. وعنوان مجموعتنا "نشاطركم الأرواح" يعد عنواناً تناصياً يقوم بوظيفتين: (اغرائية) على ح دقول (جيرارجينيت)، و(سيميائية) دلالية.

و"نشاطركم الأرواح" أينقاسمكم إيَّاهُا مُنَاصَفَةً ونتشارك معكم مشاركة عادلة ومتساوية فيما تشعر وتمر به تلك الأرواح التي لا عزاء لها، فكأنما (نحن) و(أنتم) المنضوية دلاليا للعنوان تكمل تجربة بعضها البعض، وهوعنوان تناصي انفصالي مع كلمة العزاء المعروفة (نشاطركم الأحزان) ينطوي على حقيقة ما تمر به الشخوص من ألم وحزن ومرارة داخل القصص.

انتقاص حق الفتاة والاستخفاف بها ومعاملتها كرمز للشؤم أشياء واقعية أوحت للكاتبة بفكرة قصتها المائزة (نشاطركم الأرواح) فجعلت من البومة معادلاً موضوعياً لتلك الفتاة الموتورة التي تتمتع بصفات نادرة من التفهم والرحمة ولكنها تعاني من الوحدة والعزلة، وعدم الطيران/ معادل الحرية، مثلما تعاني تلك البومة التي يحبسها مالكها خوفاً من افتضاح أمره بين العامة بأنه على عكسهم يهوى اقتناء تلك النوعية من الطيور الموتورة ، وحول تلك الفكرة وجريمة (ختان الإناث)، تحوم الكاتبة (يارا كمال) في أكثر من قصة مثل: (صوتها، في وداعة الذئب، الشجرة، زجاجات فارغة... وغيرها).

ومن ثمّ تنطلق في أفكارها لتلتقط موتيفات من شرائح اجتماعية مختلفة وتعرض أزماتها مثل (بائع غزل البنات في قصة (سحابة وردية معبأة في كيس)، التي جعلت منه في مخيلة الطفلة الصغيرة ملاكاً يقتطف من السحابات ما يعبئ به أكياسه التي يبيعها لها وللصغار، وتناولت ذوي الهمم في قصتها (ستو الحاجة) التي تسرد قصة صاحب عاهة يحترف الغزل ويبيعه مما يجعل مهنته الغريبة على الذكور مصدر سخرية له بين أقرانه ولكنه ينظر لتلك السخرية على أنها نوع من أنواع الدعاية لمنتجه، ثم تتوالى المقاطع في القصة لتعبر عن محبته المكبوتة التي لا يستطيع التعبير عنها سوى بغزل شال إلى محبوبته. ويتحول (الشال) هنا إلى رمز احتواء وأجنحة ورسالة تحمل محبته الخرساء إليها.

تظهر الهلاوس البصرية وتماهي الأماكن في مخيلة بطلة قصة (ولكنني أيضاً لم أضع المشمع)، وتجعل الكاتبة من المشهد اليومي والمكرور والمعتاد للغسيل المنشور على الحبال في أية شرفة منطلقاً لهلاوس البطلة.

وعن الموت والقدر تصيغ الكاتبة قصتها (لعبة بلا قواعد) التي يتراهن فيها قراءة الودع مع الأقدار التي تحسم الأمر بفوزها وموت الأب في النهاية، وعن استحالة تلاقي القديم والحديث وقدرة بطلة قصة (لم تتفق المواعيد بعد) على استباق الأحداث، تتحدث الكاتبة مفعلة اسم (شادي) الذي يحمل انزياحاتفي العقل العربي على مفهوم الحب الضائع من خلال تماهيه مع الأغنية الشهيرة لفيروز/ جارة الوادي.

البوم، والغربان، الكنغر، الذئب، الدجاجة المثلجة،  والمنزل المنكس، وحبال الغسيل مفردات ذلك العالم الفنتازي الذي لا تجدي مع أزماته الواقعيةالتنبؤ وقراءة الطالع. وتظل تلك العناصر الفانتازية تعمل على تحفيز عملية البحث في ميتا سرد النصوص أو المختبئ  وراء السرد من أغراض وأفكار، ولا تكتفي الكاتبة بذلك بل تحدث نوعاً من العصف الذهني بعقل القارئ من خلال النهايات المفاجئة والمقلوبة واللغة الساخرة الغاضبة التي اعتراها للأسف الكثير من الأخطاء النحوية والإملائية. فلولاها لما تعكر مزاج القارئ من حين لآخر وسط ذلك العالم القصصي الذي اجتهدت يارا كمال في جعله مشوقاً، وأجادت بصدقها في طرح موضوعاته في كسب تفاعل القراء مع النصوص المعبرة عن أزمات الجيل المعاصر.

http://www.elkalimanews.com/67799
http://www.elkalimanews.com/67799