الأربعاء 17 يوليه 2019 الموافق 14 ذو القعدة 1440
العدد الورقي مجلة طلع النهار

الكون المعجز "4" الثقوب السوداء ظاهرة تروي قصة نهاية الكون

الخميس 09/مايو/2019 - 02:03 ص
طباعة

كتب: الدكتور/عبدالعزيز آدم

الكون ذلك الكيان المعجز الذي أثبت للإنسان عبر مرور السنين أن قدراته محدودة أكثر مما كان يتخيل، وبرغم كل هذا الصخب التكنولوجي والتقدم العلمي الرهيب، إلا أن الانسان كلما تعمق في فهم خفايا هذا المخلوق الغامض، كلما وقف عاجزا عن فهم أسراره وأستيعاب حقائقه وحجمه وصفاته أو حتى فهم كيف ستكون نهايته.

ما هي الثقوب السوداء؟

الثقوب السوداء هي أحد الكيانات الكونية العجيبة، التي تساهم في تماسك واستقرار الكون، مجرة درب التبانة التي يعتبر كوكبنا الأرض جزء ضئيل جدا منها، تحتوي علي ثقب أسود مهول ذو كتلة فائقة، يقع في مركزها، ويعمل علي تماسك وثبات المجرة بأكملها أثناء توسعها المستر. علاوة على الآف الثقوب السوداء الآخرى المنتشرة في أرجائها.

ومن الناحية العلمية تفسر الثقوب السوداء على أنها تجمعات كونية ذات كتلة فائقة أغلبها يتعدى كتلة كوكب الشمس بملايين الأضعاف وذات أحجام قليلة جدا نسبة إلى كتلتها، وهي تجذب كل شيء من حولها مهما زادت سرعته، حتي الضوء تجذبه بالكامل لذلك تظل سوداء معتمة.

ولتخيل ذلك فلك أن تعرف أنه إذا تحول كوكب الأرض مثلا الي ثقب أسود، فإنه سوف يتحول إلى كرة نصف قطرها أقل من سنتيمتر واحد، أي أقل من حجم كرة تنس الطاولة، ومع ذلك ستحتفظ بذات كثافتها، أي أن وزن هذه الكرة الضييلة سكون نفس وزن الكرة الأرضية -مليارات المليارات من الأطنان- وقد تحولت إلي هذا الحجم بسبب قوة جاذبيتها المهولة حتي انعدمت المسافات البينية بداخلها وانطوت علي نفسها حتي وصلت لهذا الحجم الضئيل.

وفِي الحقيقة، لم يتم رؤية أو رصد أيا من الثقوب السوداء المنتشرة بأعداد مهولة في ارجاء الكون، ولكن تم اكتشافها عن طريق مراقبة بعض الأشعة السينية التي نتجت عن تحطم أجرام سماوية وتلاحظ أن هذه الأشعة يتم جذبها بسرعة خاطفة وبشكل كامل بمجرد اقترابها من مجال الثقب الأسود.

الحقائق التي ذكرتها عن الثقب الأسود هي في متناول  الفئة المثقفة من المهتمين بمتابعة علوم الكون، وهي نتاج لأبحاث علمية معتبرة، عكف عليها الانسان عبر العصور، ولكن هنا نتناول هذه الظاهرة الكونية العجيبة من منظور مختلف، فان الثقوب السوداء علي ما فيها من غموض وإعجاز، إلا أنها أيضا تعبر وبشكل جلي ولكن مصغر عن مصير الكون.

كيف ستكون نهاية الكون؟

ذلك السؤال الذي أثار فضول الإنسان عبر الزمن، ولكن لم يصل بعد، وربما لن يصل أبدا الي إجابة حاسمة ودقيقة له.

كان تصور الإنسان قديما أن الكون ثابت لا يتغير وأنه أزلي في التكوين ليس له بداية ولن تكون له نهاية،

ولكن في مطلع القرن الماضي، تحديا عام 1929م، اكتشف "إدوين هابل" عالم الفلك الأمريكي اكتشافاً مذهلاً، حث توصل الى أن الكون في توسع مستمر في الزمكان، وبالقياس العكسي لهذا التوسع تم استنتاج أن الكون كانت بداية منذ ما يقرب من ١٤ مليار سنة أرضية، وحتما ستكون له نهاية حتمية مجهولة التوقيت والصفة.

الثقوب السوداء تروي قصة عودة الشيئ إلي أصله، بعدما حدث ذلك الإنفجار أو التمدد العظيم والذي بدأ من نقطة صغيرة ذات كتلة لا نهائية تمددت بشكل مهول مضطرد، وصولا إلى ذلك الكون المعجز، الثقوب السوداء هي الصورة العكسيك لهذا التمدد العظيم حيث يتحول عبرها النجوم والأجرام الكونية من أحجام مهولة إلى نقاط صغيرة مندثرة، ذات جاذبية مهولة وكأنها تحكي قصة نهاية الكون. ونتج عن دراسة الثقوب السوداء، النظرية الأقرب الي الواقع والأعجاز في آن واحد، لوصف نهاية الكون الحتمية، حيث انها تؤكد علي أن الكون فى وقت ما سيتوقف عن التوسع وسيبدا في الإنكماش العظيم وأن هذه الثقوب السوداء ستنتشر بأعداد مهولة في شتى أرجاء الكون، لتقوم بدورها بجذب نجومه وكواكبه وأقماره وكويكباته ومذنباته ومجراته بشكل تدريجي إلى أن تضيق المسافات البينية في محيط الكون ذاته، وتقترب هذه الثقوب السوداء من بعضها البعض وتتجاذب وتتحد مكونة ثقوب أكثر جسارة لتبتلع الكون بأكمله بشكل تدريجي حتي يتحول الي النقطة التي بدأ منها. وهو السيناريو الأقرب للحقيقة والذي تصفيه الآية الكريمة، بمنتهى الدقة والإعجاز 

"يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ ۚ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُّعِيدُهُ ۚ وَعْدًا عَلَيْنَا ۚ إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ" الأنبياء ١٠٤ صدق الله العظيم.

والسماء هنا ترمز إلى الكون الذى سينطوي علي نفسه، بإرادة العلي القدير إلى أن يعود إلى صورته الأولى التي خلق منها.