الأحد 09 ديسمبر 2018 الموافق 02 ربيع الثاني 1440
العدد الورقي مجلة طلع النهار
مصطفي زكي
مصطفي زكي

يروننا صغاراً

الأربعاء 26/سبتمبر/2018 - 01:09 ص
طباعة

جداران منيعان، نرقب قِطعًا من أرواحنا – بينهما – فى طريقٍ ضبابىٍ بارد، يرون شعاعًا لم نره، لكننا نؤكد لهم – مضطرين – أن ضوءه يغمرنا دفئًا، وأننا نلمسه بأيادينا، نوقظ أبناءنا فى كل صباح ليمضوا فى طريقهم، سائرين نيامًا، بين تاريخ يحكمنا وليس لنا إلى تغييره سبيلاً، وحاضر لا نملكه، تركْنا – عامدين أو مدفوعين – زمامه فانطلق إلى حيث لا ندرى.

وقفت أمام طفلة أراها تتخذ من صندوق قمامة متكأً، ومن رائحة العفن المحيطة به مستقراً، تستقبل الأكياس بفرحة غامرة وبابتسامة مرحبة بحامليها، علها تجد نصف تفاحة منهكًا من مقاومة عطب أصاب نصفه الآخر.

تساءلت: هل تحلم الطفلة بقدر يسير من تعليم، مدفوعا أكان أم مجانياً؟، هل يشغلها ارتفاع الأسعار، ونقص الدواء، وعجز المستشفيات عن توفير أسِرَّة متهالكة لمرضى أو شكوا على الهلاك الكامل؟، هل يؤرقها إلغاء الدعم مثلاً؟!

أخذتنى تلك الأسئلة إلى أسئلة أبعد: هل تملك صغيرتنا أحلامًا من أى نوع؟، هل تقل سعادتها – عندما تجد ضالتها - فى ثمرة غير مكتملة الفساد - عن سعادة أبناء "ذوى الياقات البيضاء" بلعبة أو رحلة قصيرة تعادل تكلفتها ما يسد رمق تلك الفقيرة وأسرتها أعواما؟، كيف تنظر إلى أترابها الآن، وكيف ستراهم مستقبلاً؟

وجدتنى عاجزاً عن عقد مقارنات من أى نوع، رأيت فى الجدل حول نسبية السعادة عبثًا أمام نظرات الجميلة ذات الملابس البالية، والوجوه اللا مبالية حولها، حتى جاءتنى الإجابة مدوّيةً حينما صفعت ذاكرتى قصة الطفل "أحمد مرعى"، الذى عبر البحر وحيدًا فى إحدى رحلات الموت إلى الشاطئ البعيد، ذلك الذى استطاع تسلق أحد الجدارين المنيعين واقفا على حافته يتفحصنا من علِ، يرمقنا – جميعنا – بنظرة ساخرة، يرانا صغارًا، نزداد صغرًا فى عينيه عندما نلمح فيهما أسئلة لا نجرؤ على محاولة الإجابة عنها. "أحمد"، الذي لم يتجاوز الثالثة عشرة، سقطت من ملابسه المبللة "نقطة" يجب أن تتوقف عندها القلوب والعقول والتاريخ، كل التواريخ، نقطة لابد منها لنرى مكاننا فى عمر الزمان.

ads
ads
ads
http://www.elkalimanews.com/67799
http://www.elkalimanews.com/67799
ads
ads
ads
ads
ads