الأربعاء 15 أغسطس 2018 الموافق 04 ذو الحجة 1439
العدد الورقي مجلة طلع النهار

الكاتب والشاعر السعودى زكى الصدير لـ«الكلمة»

الثلاثاء 29/مايو/2018 - 12:20 م
جريدة الكلمة
عاطف عبد اللطيف
طباعة

الكاتب والشاعر السعودى زكى الصدير لـ«الكلمة»:

>> التجارب الكبيرة والتنوع الثقافى بالإضافة للموهبة عوامل تخلق المبدع الحقيقي

>> محتاجون لمراجعات ثقافية شجاعة لتجسّر الهوة بين مناهجنا والحياة العملية

>> إلا قليلا.. الشاعر لم يعد قادرًا بأدواته اللغوية المحضة الوصول إلى القارئ غير النخبوي

>> البرامج والمسابقات والفعاليات العربية لم تبصر المواطن العادى بأهمية الثقافة والشعر والرواية والسينما

عاطف عبداللطيف

زكى الصدير شاعر وكاتب سعودى، من مواليد 25 أكتوبر 1975، بمدينة القطيف بالسعودية، يعمل مراسلا لصحيفة العرب اللندنية للشؤون الثقافية فى الخليج من 2014 وحتى الآن. كتب مقال رأى فى صحيفتى الشرق وشمس السعودية لسنوات، له العديد من المقالات الصحافية الثقافية فى جرائد ودوريات ومجلات محلية وعربية. كما شارك بأمسيات شعرية عديدة داخل وخارج المملكة العربية السعودية والعديد من الملتقيات الثقافية المحلية والدولية.

صدر له العديد من الدواوين والنصوص الشعرية منها "حالة بنفسج"، و"جنيات شومان، مجموعة شعرية 2008، و"حانة" مجموعة شعرية 2011، و"شهوة الملائكة" نصوص شعرية 2013، كتاب "30 شاعرًا، 30 قصيدة".. مختارات من الشعر السعودى الجديد، فى مارس 2016، عودة غاليليو: مجموعة شعرية عن منشورات المتوسط الإيطالية 2018.

زكى الصدير كاتب وشاعر ينطلق من حدسه الشعرى الأول بالعالم المحيط، كما لو أنَّه يعيدُ تشكيله المرَّة تلو المرَّة. ليبدو من قصيدةٍ إلى أخرى وكأنَّه يتقمَّص أدوارًا قد تنجيهِ من ظلمِ الأسقف الواطئة، والنوافذ المغلقة، والتاريخ المتراكم عند كلِّ العتبات. يؤمن بأهمية الفلسفة والحرية كطاقة نور تسهم فى الخروج من عتمة الماضى وظلم الإنسان لأخيه الإنسان والسعى لتغليب المصالح وسيادة المكاسب فوق رقاب وحقوق الآخرين، وفى حوار إلى "الكلمة" تحدث زكى الصدير عن قيمة الجوائز العربية ودورها الهام فى إثراء مناخ الإبداع والثقافة، والمعوقات التى تقف أمام حركتى الطباعة والنشر، وأعماله الأدبية المقبلة، وتقييمه لمناخ الحريات بشكل عام فى المنطقة العربية وشروط نجاح العمل الشعرى جماهيريًا ونقديًا والعوامل التى تقف وراء تشكل ووجود المبدع الحقيقى، وأهم العقبات والتحديات التى تعرض حركتى الثقافة والأدب، كل هذا وأكثر فى السطور التالية.

- الاهتمام بالفلسفة وإعمال العقل.. من يهتم بهما فى الوطن العربي؟

هذا تساؤل يعود بنا إلى البدايات، حين كان العقل يشكّل قيمة إنسانية مستقلة فى منظومة المعرفة، ويجعلنا نتساءل بحرقة: هل كانت لدينا – حقًا- فلسفة حية؟ أوَلَم تولد الفلسفة ميتةً – أصلا- فى ظل أنساق دينية وسياسية عربية متتالية صادرت الحق فى التفكير، وفى صناعة الأسئلة تحت ذرائع واهية، كان لها الدور الأكبر فى تخلّفنا عن ركب الحضارة؟!.

هذا التساؤل ليس جديدًا فى الحقيقة، لكنه يتجدد على الدوام بالمعطيات التكنولوجية التى استطاعت أن تقدّم أجوبة لا تحتمل المعالجات الميتافيزيقية الجاهزة مثل تلك المعالجات الكنسيّة/ الجاليليويّة المغيِّبة للعقل لقرون طويلة عن دوره الأساسى فى إيجاد فهم شامل للكون وأسئلته اليومية الملحة!.

- ماذا عن قيمة الجوائز العربية فى إثراء مناخ الإبداع؟

فى العام 2007، انطلقت معظم البرامج ذات الصيت العالى من إمارة أبو ظبى، ولكنها لم تتوقف عندها، فبدأت الدول المجاورة تتنافس خليجيًا، وتقدّم برنامجًا تلو الآخر ليحظى بالجماهيرية، وليقدّم المثقف أو الشاعر أو الروائى فى صورة كاملة لا تخلو من السوبرمانية الفاقعة فى الحدث العالى الدقة. ولا شك أن الاحترافية فى هذا الأمر مطلوبة ومحبذة، ولكن السؤال ما زال يطرح نفسه أمامنا على الدوام، إلى أى حد استطاعت هذه البرامج والمسابقات والفعاليات أن تكون على الأرض وأن تجعل الثقافة والشعر والرواية والسينما مادة يستفيد المواطن العادى منها قبل النخب الثقافية، التى تتعامل معها كـ"بريستيج" ووجاهة اجتماعية؟.

- وكيف تلمس آراء الكتاب والشعراء حول دور الجوائز فى المنطقة العربية؟

لا يخفى على المتابع مدى الإحجام الذى أصبح يرافق الجوائز من الكتاب والشعراء والروائيين الحقيقيين، إلى درجة أن بعض الكتاب صار يعبّر عنها فى كتاباته بأنها مسابقات المراهقين وأنصاف المثقفين والموهوبين برتبة ثانية أو ثالثة، الأمر الذى يؤكد غياب الاتفاق عليها رغم القيمة التى كانت عليها فى بداية انطلاقتها بهدفية عالية، وبلجان تحكيم متفق على مصداقيتها ووعيها الثقافى وأيضاً متفق على حياديتها السياسية. ولكن الأمر لم يعد -على ما يبدو- كما كان، لا سيما بعد الربيع العربى وانقساماته الطائفية والسياسية والحزبية بين المؤسسات والمثقفين أنفسهم.

وكذلك لم يعد عليها فى ما يخص المتابعات الجماهيرية التى كانت قبل عشر سنوات. فكم هى نسبة من يعرف منا -دون الرجوع إلى محرك البحث العالمى الشهير "جوجل"- من هو أمير الشعراء، ومن هو شاعر المليون، ومن فاز بالبوكر وكتارا فى العام 2018، ومن الشاعر الذى ارتدى بردة عكاظ الشعرية فى الطائف هذا العام، ومن فاز بجائزة الثبيتى أو العويس؟ باعتقادى فى ظل اتساع الهوة بين المؤسسات واحتياج الشعوب فى ما يخص حياتها اليومية، فإننا أمام فعل ثقافى يكلفنا الكثير لكنه لا يعطينا شيئًا سوى الدعاية السنوية التى ستحفظ لنا اسمنا كعواصم ثقافية قادرة على تقديم الدولارات فقط، وهذا ليس هدفنا بالتأكيد.

- حدثنا عن أبرز الأعمال المطروحة التى نالت استحسانك فى الفترة الأخيرة من حيث أهمية القضية التى تتناولها؟

رواية "جماعة الرب" للروائى والمترجم المصرى عبدالسلام إبراهيم، التى صدرت مؤخرًا عن دار عرب للنشر والترجمة فى لندن، وتأتى هذه الرواية بعد عشرة أعمال مترجمة، وخمسة أعمال سردية تنوّعت بين الرواية والقصة القصيرة، نذكر منها على سبيل المثال "الملائكة لا تأكل الكنتاكي" و"مسافة قصيرة جدًا للغرق" و"كوميديا الموتى". وهى من الرويات التى تخوض فى مناطق وعرة فى جنوب مصر لم يقربها أحد من قبل.

وتناقش رواية "جماعة الرب" مسألة الهوية والتلاعب بالوعى فى ما بعد الربيع العربى فى مصر بشكل خاص وبعض الدول العربية بشكل عام، وما طرأ عليها من تغييرات سياسية واجتماعية ومحاولة الربط بين سنوات ثورة 25 يناير وأحلام الشباب فى التغيير وما بعدها والانكسارات والفجوات الكبيرة التى خلّفها الربيع العربى، وتتعرض لقضايا إعادة تشكيل المجتمع الأنثربولوجى فى الأقصر المصرية من خلال صحافيات شابات يعملن فى جريدة مستقلة تعكس ما يحدث فى الشارع المصرى من أحداث سريعة ومتلاحقة تحتاج لصحافيين من طراز خاص وقارئ متطور يمكنه أن يؤدى دور الصحافى فى إرسال الأخبار الجديدة للجريدة فيشارك فى صنع الخبر الذى هو جزء أصيل منه.

وتستخدم "جماعة الرب" مسألة الخصاء فى مدينة الأقصر جنوب مصر بصورة مُتفردة، حيث تستعيد عمليات الخصاء القديمة، وقضية "الخصاء الكبرى" وربطها بالعمليات التى تجرى بأشكال مختلفة على مر الأجيال ومحاولة ترميزها وإسقاطها لتعكس ما يتم فى المجتمع المصرى سواءً كان عبارة عن مؤامرات خارجية أم مؤامرات داخلية ليخضع المجتمع المصرى كله لعملية خصاء واسعة النطاق.

وتأتى فكرة الخصاء فى رواية "جماعة الرب" كمعادل اعتبارى لارتباكات الهوية بعد مآلات الربيع العربى المخيبة لآمال المثقفين، لا سيما مثقفى الداخل الذين عاشوا بشكل مباشر تطورات ارتدادات الربيع على وعى الكتل الاجتماعية على اختلاف مستوياتها.

- ماذا عن أعمالك الأدبية المقبلة؟

بين يدى عملان أشتغل عليهما بشكل متوازٍ، الأول شعرى، تحت عنوان "المبيت فى خنادق الملح"، والثانى سردى يحمل عنوان "منسيون"، وهو عمل سردى طويل بدأت الكتابة فيه منذ 2002م، وما أزال أشتغل عليه حتى الآن، ولا أعرف بالتحديد متى يمكن أن أنتهى منه. لكنه فضاء مفتوح للاعتكاف الإجبارى، وللذاكرة المتعلّقة بالجدران وبسطوتها على الإنسان المحتجز فيها، وهنا يمكن أن نستحضر تاريخًا طويلا من التجارب الإنسانية الكونية العميقة التى أحتجزت لأسباب سياسية أو اجتماعية أو نفسية.

- ما الإشكاليات التى واجهته عند كتابة "عودة غاليليو"؟

فى الوقت الذى أوجدت عاصفة الربيع العربى شعورًا بالحرية ذات سقوف عالية، أتاحت الكلام عن مناطق التعبير الجديدة، وعن الدولة المدنية، وعن مأساة الدول العربية تحت مفاهيم اختبرها العالم المتقدم، مفرزةً النتائج التى نراها أمامنا، سواءً كانت ناجحة أم كانت تحتاج إلى المزيد من التطوير. فى هذا الوقت، يعود للإنسان العربى شبح الخوف من التعبير عن رأيه، ومن قول ما يؤمن به مخافة الرقيب بمعناه العام الذى أصبح أكثر شراسة منه بعد الربيع.

هذا الشعور بالخوف هو ما تدور حوله مجموعة "عودة غاليليو"، حيث عودة الخوف والارتياب والصمت، فى إحالة تاريخية تذكرنا بهيمة الرقيب السياسى الدينى فى عصر النهضة الأوربى على صنمية الأفكار من أجل حراستها وحراسة أنفسهم. أن هذه العودة هى بمثابة عودة للفوضى لكل مفاصل وتاريخ الدول العربية التى عاشت عاصفة الربيع أو تفرجت عليها من بعد.

لا يوجد إشكالية بالمعنى الحرفى للكلمة، فالكتابة احتاجت منى بحثًا فى تاريخ الخوف، وارتدادات الأفكار بسبب السلطة بمعناها الشامل، سواءً كانت سياسية أو دينية أو اجتماعية، وكيف انعكست هذه السلطة على تشكّل النص وحقيقته.

- برأيك.. ما شروط نجاح العمل الشعرى جماهيريًا ونقديًا؟

هذا يعتمد على معنى "النجاح". وأعتقد أنه لم يعد الشاعر قادرًا بأدواته اللغوية المحضة الوصول إلى القارئ غير النخبوى. الأمر الذى يجعله قابعًا فى إطار لا يستطيع من خلاله الاتّساع ومعانقة القارئ البسيط. ويعود ذلك لتعاظم انكفاء معظم الشعراء على ذواتهم، ولعدم قدرتهم على الانصهار مع فكرة الخروج إلى القارئ غير النخبوى والأنظمة العربية تستبدل عقلية مستبدة بعقلية أكثر استبداداً تجاوز السؤال الفلسفى للسؤال الحياتى اليومى. هنالك تجارب استطاعت أن تستوعب بعمق ما يدور حولها فأنتجت اشتغالات شعرية مهمة، لكنها قليلة، ولا يمكن اعتبارها ظاهرة من الممكن القياس عليها.

- إلى أى مدى تشكل تحديات الطباعة والنشر والتوزيع عوائق أمام حركة الثقافة والأدب؟

عربيًا، معظم دور الطباعة تسوّق كتّابها وفق الهوى وعلى أساس ثلاثة عقود، العقد الأول يقوم على تحمل الكاتب كامل تكلفة الطباعة وهذا العقد يجعل من القادر كاتبًا وروائيًا وشاعرًا بمجرد أن يدفع دولاراته للناشر، والثانى يتحمل الطرفان فيه التكلفة مناصفة، أما الثالث -وهو نادرًا ما يحدث- فتتحمل دار النشر التكلفة كاملة للطباعة والنشر والتوزيع. وفى رأيى لو التزمت دور النشر جميعها بالعقد الثالث، لكانت هى نفسها الأكثر حرصًا على جودة مطبوعاتها وتسويقها وكان هناك رواجًا كبيرًا.

- ما أبرز انتقاداتك لمعرض البحرين الدولى للكتاب فى نسخته الأخيرة؟

أى مناسبة أو محفل أو معرض أدبى يسهم بلا شك وله دور جيد فى الارتقاء بالكلمة والأدب عامة، ولكن ما أن دخلت العتبات الأنيقة لبوابات معرض البحرين الدولى للكتاب المقام مؤخرًا بجوار قلعة عراد التاريخية بمدينة المحرق إلا واصطدمت بدور "الهشتك بشتك" ذات الكتب المعادة طباعتها ثلاثين مرة وأكثر، والمعنية بتسويق روايات المراهقين والمراهقات التى لم يسمع أحد بكتّابها، والتى تعزز من مفاهيم الجهل المؤسساتى المعمّم كما يدعوه محمد أركون، بينما الدور العربية العريقة كانت تضيع مثل دار ورد والساقى والمدى والجمل وغيرها فى أطرف أطراف المعرض، وكأنها هامش ضئيل فى متن هائل. الأمر الذى أثر سلبًا بطبيعة الحال على مبيعاتها، وبالتالى على قدرة الدار على التماسك والاستمرارية لأعوام قادمة.

- وما أبرز العوامل التى تفرز المبدع الحقيقي؟

من الواضح أن التجارب الكبيرة والتنوع الثقافى بالإضافة للموهبة هى التى تخلق المبدع الحقيقى الذى يستطيع أن يوثّق التاريخ ليس بوصفه فعلاً فحسب، وإنما بوصفه -أيضاً- حالة إنسانية عميقة، يستطيع المبدع/ الرائى أن يستشرف من خلالها التاريخ دون الوقوف عنده.

الكلمات المفتاحية

ads